العاهل المغربي يدعو إلى اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي

الأحد 2014/10/12
العاهل المغربي يدعو مواطنيه إلى الاعتبار من الأزمات المتصاعدة في عدد من دول المنطقة

الرباط – كان يوم الجمعة 10 أكتوبر 2014 تاريخا مفصليا بمقر البرلمان المغربي، ترجمه الخطاب الحاد والقوي الذي وجه فيه العاهل المغربي الملك محمد السادس انتقادات شديدة اللهجة للنخبة السياسية والبرلمانيين لغيابهم عن ركب تطلعات المواطن المغربي، مطالبا إياهم بالإعداد الجيد للاستحقاقات القادمة والابتعاد عن “المصالح الحزبية” الضيقة.

ووجه العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب له الجمعة، خلال افتتاح السنة التشريعية الجديدة، جملة من الرسائل شمل بها أساسا الداخل، داعيا الفاعلين السياسيين إلى ضرورة الاستعداد “الجيد” للاستحقاقات المقدمة عليها البلاد خلال العام المقبل، و”التحلي بالروح الوطنية”.

يأتي ذلك في وقت تعيش فيه البلاد على وقع خلافات متواصلة بين حكومة عبد الإله بنكيران والمعارضة حول عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشائكة، وفي مقدمتها رفع سن التقاعد، وارتفاع أسعار المحروقات، وسنّ قانون للإضرابات العمالية.

وخص الملك محمد السادس في جزء كبير من خطابه النخبة السياسية مطالبا إياها بضرورة الاقتراب أكثر من المواطن والحرص على تلبية تطلعاته، منتقدا خطابها السياسي غير المتماهي مع متطلبات الشارع المغربي.

وقال في هذا الصدد إن “المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما والبرلماني خصوصا يلاحظ أن الخطاب السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية”.

وأشار إلى “ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي بمعناه النبيل”.

وأوضح الملك محمد السادس، أن “الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة”. ودعا النخبة السياسية، “إلى اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي، بشكل عام، دون الاقتصار على بعض المواد، المدرجة ضمن النظامين الداخليين لمجلس البرلمان”.

وتواجه النخبة السياسية في المغرب، وخاصة البرلمانيون، انتقادات واسعة بسبب سلوكيات البعض منها وانصهارهم في معارك حزبية لا تخدم المصلحة الوطنية.

وحول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة شدّد العاهل المغربي الملك محمد السادس على أن “السنة التشريعية الحالية، ستكون سنة حاسمة في المسار السياسي للبلاد، بالنظر للاستحقاقات التي تتضمنها وأن الخيار الديمقراطي، الذي ارتضاه جميع المغاربة، ثابت لا رجعة فيه بل إننا ملتزمون بمواصلة ترسيخه”.

ووعد العاهل المغربي بأن “هذه السنة ستكون حافلة باستحقاقات هامة، وفي مقدمتها إقامة الجهوية المتقدمة، ثم الانتخابات المحلية والجهوية”، متوجها بالسؤال إلى جميع الفاعلين السياسيين “ماذا أعددتم من نخب وبرامج، للنهوض بتدبير الشأن العام؟”.

الملك محمد السادس: التحدي الكبير الذي يواجه المغرب اليوم لا يتعلق فقط بتوزيع السلط بين المركز والجهات والجماعات المحلية وإنما بحسن ممارستها

وأكد الملك محمد السادس، في خطابه بمقر البرلمان، أن التحدي الكبير الذي يواجه المغرب اليوم، لا يتعلق فقط بتوزيع السلط، بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة الموطن.

ومن المنتظر أن تجرى انتخابات محلية وجهوية في المغرب منتصف 2015 قبل الاقتراع التشريعي في السنة التالية التي تستوجب أن يسلّم بعدها رئيس حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران منصب رئيس الحكومة إلى مرشح الحزب الفائز.

وهذه الانتخابات “لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها، وإنما يجب أن تكون مجالا للتنافس السياسي، بين البرامج والنخب، وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية”، وفق خطاب الملك محمد السادس، الذي شدد على ضرورة الإعداد الجيد للاستحقاقات الانتخابية والتحلي بروح الوطنية الصادقة في احترام إرادة الناخبين الذين دعاهم إلى ضرورة الإدلاء بأصواتهم لأن الاقتراع “حق وواجب وطني”.

ولأن منظومة الإصلاح وعملية النقد الذاتي، التي دعا إليها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش، تستوجب مشاركة كل هياكل المجتمع المغربي ومكوّناته، كان من الطبيعي أن يتوجّه العاهل المغربي في خطابه، يوم الجمعة الماضي، إلى مكوّنات المجتمع المدني. فـ”المغرب في حاجة لكل أبنائه ولجميع القوى الحية والمؤثرة وخاصة هيئات المجتمع المدني، اعتبارا لدورها الإيجابي كسلطة مضادة وقوة اقتراحية تساهم في النقد البناء وتوازن السلطة”.

وتحتل هيئات ومنظمات المجتمع المدني مكانة هامة، في المغرب وتشكل إحدى الركائز الأساسية في بناء الدولة الحديثة، وهو ما جعل المغرب “يحظى بالثقة والمصداقية جهويا (محليا) ودوليا”، و”يتمتع بصورة إيجابية لدى باقي شعوب العالم”.

واستحضر مراقبون، الخطاب التاريخي الذي ألقاه العاهل المغربي، بمناسبة الذكرى 15 لاعتلائه عرش المملكة المغربية (يوليو 2014) ودعا فيه المغاربة، بمختلف فئاتهم، إلى “وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية حول ما طبع مسيرة المغرب من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وعزم وتفاؤل”.

واعتبر المراقبون أن خطاب الملك محمد السادس، يوم الجمعة الماضي، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، يأتي استكمالا لخطاب عيد العرش، وكلاهما يتجاوز حدود الخطابات الرسمية ليعرض خططا تنموية وأفكارا إصلاحية قوامها الرأسمال البشري الذي وصفه الملك محمد السادس بـ”رصيدنا الأساسي”.

ومن أجل تحقيق الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية، ورفع تحديات التنمية، والانخراط في مجتمع المعرفة والاتصال، يجب أن يكون رأس المال/المواطن المغربي محور الاهتمام وجوهر منظومة الإصلاح، التي ستجعل البلاد في مأمن من التقلّبات والأخطار الخارجية التي تترصّد بها.

ودعا الملك محمد السادس، في هذا السياق، مواطنيه إلى “الاعتبار” من الأزمات المتصاعدة في عدد من دول المنطقة، مؤكدا على “حفظ الاستقرار” في البلاد، ومواصلته السعي “للحاق بالدول الصاعدة”.

2