العاهل المغربي يدعو إلى عدم تحويل البرلمان إلى حلبة للمصارعة السياسوية

السبت 2013/10/12
دعا العاهل المغربي إلى إرساء علاقة سوية بين المعارضة والحكومة

الرباط - دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس النوّاب إلى إخراج النظام الخاص بالمعارضة البرلمانية، لتمكينها من النهوض بمهامها، في مراقبة العمل الحكومي، والقيام بالنقد البناء، وتقديم الاقتراحات والبدائل الواقعية، بما يخدم المصالح العليا للوطن.

وشدد الملك محمد السادس، في خطابه الافتتاحي للدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة أمس الجمعة بمقر البرلمان، على ضرورة اعتماد الحوار البناء والتعاون الوثيق والمتوازن بين البرلمان والحكومة في إطار احترام مبدإ فصل السلط، بما يضمن ممارسة سياسية سليمة، تقوم على النجاعة والتناسق والاستقرار المؤسسي بعيدا عن تحويل قبة البرلمان إلى حلبة للمصارعة السياسوية.

أمّا بخصوص قضية الصحراء، فقد دعا الملك محمد السادس الجميع إلى التعبئة القوية واليقظة المستمرة والتحرّك الفعال، على الصعيدين الداخلي والخارجي، للتصدي لأعداء الوطن أينما كانوا وللأساليب غير المشروعة التي ينهجونها، مذكرا بأن قضية الصحراء واجهت، خلال هذه السنة، تحديات كبيرة، «تمكنا من رفعها بفضل قوة موقفنا وعدالة قضيتنا».

كما أكد أن قضية الصحراء ليست فقط مسؤولية ملك البلاد، وإنما هي أيضا قضية الجميع: مؤسسات الدولة والبرلمان والمجالس المنتخبة وكافة الفعاليات السياسية والنقابية والإقتصادية وهيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وجميع المواطنين.

وفي هذا الصدد ذكّر الملك محمد السادس بأن «مصدر قوتنا في الدفاع عن صحرائنا، يكمن في إجماع كل مكونات الشعب المغربي حول مقدساته»، قائلا «بصفتي الممثل الأسمى للدولة ورمز وحدة الأمة، فإني لن أدخر أي جهد على جميع المستويات لصيانة الوحدة الترابية للمملكة والحفاظ على سيادتها واستقرارها، في ظل إجماع شعبنا الوفي وتضافر جهود كل مكوناته».

خطاب العاهل المغربي كان أيضا مناسبة هامّة أكّد خلالها أنّ «الممارسة البرلمانية التعددية ببلادنا ليست وليدة الأمس، بل هي خيار إستراتيجي يمتد على مدى نصف قرن من الزمن، نابع من الإيمان العميق للمغرب وقواه الحيّة، بالمبادئ الديمقراطية. وهو ما يجعل النموذج البرلماني المغربي، رائدا في محيطه الجهوي والقاري».

كما أكد أن البرلمان المغربي «ذاكرة حية، شاهدة على المواقف الثابتة والنضالات الكبرى التي عرفتها بلادنا في سبيل السير قدما بمسارها السياسي التعددي، غير أن الكثيرين لا يعرفون، مع الأسف، تاريخ مؤسساتنا، وما طبع تطوّرها من حكمة وبعد نظر، ضمن مسار تدريجي، وبإرادة قوية وخاصة، دون أن يفرضه علينا أحد».

وأكد العاهل المغربي أن تطوّر المسار المؤسسي بالمغرب يقوم على التجديد المستمر، واستثمار التراكمات الإيجابية للممارسة النيابية، على الصعيدين الوطني والمحلي، باعتبارهما مسارين متكاملين». وتوقف عند هذين المسارين وهما الانتداب البرلماني، بما هو تمثيل للأمة، ومهمة وطنية كبرى، وليس ريعا سياسيا، ثم الانتداب الجماعي المحلي أو الجهوي.

وبخصوص الانتداب البرلماني دعا الملك النواب إلى أن يستشعروا جسامة هذه الأمانة العظمى، التي «تستوجب التفاني ونكران الذات، والتحلّي بروح الوطنية الصادقة، والمسؤولية العالية في النهوض بمهامكم»، مؤكدا أن الولاية التشريعية الحالية تعد ولاية تأسيسية لوجوب إقرار جميع القوانين التنظيمية خلالها. وفي هذا المضمار دعا الملك محمد السادس النوّاب إلى ضرورة اعتماد روح التوافق الوطني خلال بلورة وإقرار هذه القوانين التنظيمية، وذلك بنفس المنهجية التشاركية الواسعة، التي ميّزت إعداد الدستور، وحثّهم على أن يتحمّلوا مسؤولياتهم كاملة في القيام بمهامهم التشريعية، قائلا إنّ «ما يهمنا، ليس فقط عدد القوانين، التي تتمّ المصادقة عليها، بل الأهم من ذلك هو الجودة التشريعية لهذه القوانين».

من جانب آخر، أوضح الملك محمد السادس أنّ ثاني المسارات هو الانتداب الجماعي المحلي أو الجهوي، الذي يكتسي أهمية أكبر، في الواقع السياسي الوطني، لكونه يرتبط بالمعيش اليومي للمواطنين، الذين يختارون الأشخاص والأحزاب الذين يتولّون تدبير قضاياهم اليومية، مؤكدا أن المجالس الجماعية هي المسؤولة عن تدبير الخدمات الأساسية، التي يحتاجها المواطن كل يوم بينما تقوم الحكومة بوضع السياسات العمومية، والمخططات القطاعية، وتعمل على تطبيقيها.

وفي هذا الصدد، قال الملك محمد السادس «الوزير ليس مسؤولا عن توفير الماء والكهرباء والنقل العمومي أو عن نظافة الجماعة أو الحي أو المدينة وجودة الطرق بها، بل إن المنتخبين الجماعيين هم المسؤولون عن هذه الخدمات العمومية، في نطاق دوائرهم الانتخابية، أمام السكان الذين صوّتوا عليهم». كما أنهم مكلفون بإطلاق وتنفيذ أوراش ومشاريع التنمية بمناطق نفوذهم لخلق فرص الشغل، وتوفير سبل الدخل القارّ للمواطنين.

وأكد العاهل المغربي أن ذلك يعد «مهمة نبيلة وجسيمة، تتطلب الصدق والنزاهة وروح المسؤولية العالية، والقرب من المواطن، والتواصل المستمر معه، والإنصات لانشغالاته الملحة، والسهر على قضاء أغراضه الإدارية والاجتماعية»، وقال إنّه «في الواقع، يلاحظ تفاوتا كبيرا في مستويات تدبير الشأن المحلي والجهوي»، مضيفا «إذا كانت كثير من الجماعات الترابية، تتمتع بنوع من التسيير المعقول، فإن هناك، مع الآسف بعض الجماعات تعاني اختلالات في التدبير، من قبل هيآتها المنتخبة».

والجدير بالذكر أنّ خطاب الملك محمد السادس يأتي بعد يوم واحد من إشرافه، أمس الأوّل في القصر الملكي بالرباط، على تنصيب الحكومة المغربيّة في تركيبتها المعدّلة، وذلك بعد مفاوضات مطوّلة أجراها رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران لترميم أغلبيّته بسبب انسحاب وزراء «حزب الاستقلال» من الحكومة، في يوليو 2013، بعد أن كان الحزب المحافظ المذكور الشريك الأول في حكومة الائتلاف، ثمّ انتقل إلى ضفة المعارضة.

2