العاهل المغربي يدعو المجتمع الدولي إلى احترام خصوصيات الدول النامية

السبت 2014/09/27
العاهل المغربي يشدد على أهمية دعم البلدان النامية

نيويورك - وجّه العاهل المغربي، الملك محمد السادس، خطابا مهمّا إلى الدورة الـ69 للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك، مركزا بالأساس على موضوع التنمية البشرية المستدامة لدول الجنوب، ودون أن يغفل عن توجيه أشدّ الانتقادات إلى الدول الاستعمارية الغربية ودورها في تغذية النزاعات في دول الجنوب.

أكّد الملك محمد السادس، في خطابه الذي تلاه رئيس الحكومة المغربية عبد الإله ابن كيران، على وجوب مراعاة خصوصيات كلّ بلد وعدم فرض أيّ نموذج تنموي على دول الجنوب.

وقال العاهل المغربي إنّ “لكل دولة في العالم مسارها الخاص، حسب تطورها التاريخي ورصيدها الحضاري وما يتوفر عليها من طاقات بشرية وموارد طبيعية، وحسب خصوصياتها السياسية وخياراتها الاقتصادية، وما يواجهها من عراقيل وتحديات”.

وفي هذا السياق، وجهّ نداء إلى القوى الدولية لاحترام خصوصيات كل بلد في مساره الوطني وإرادته الخاصة، لبناء نموذجه التنموي، لا سيما بالنسبة إلى الدول النامية التي ما تزال تعاني من آثار الاستعمار.

حضور أفريقي قوي للمغرب رغم أجندات إقصائه
الرباط - أجمع عدد من الخبراء الأفارقة، في ندوة تحمل عنوان “الاتحاد الأفريقي/المغرب: بين التباين والشرخ”، على قوّة الحضور المغربي في القارة الأفريقية، رغم عدم انضمامه للاتحاد الأفريقي منذ تأسيسه عام 2002، وذلك بعد انسحابه من منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984 بسبب الأجندات الساعية إلى إقصاء المملكة المغربية.

ودعا المشاركون في ندوة، نظمتها وكالة المغرب العربي للأنباء والمركز المغربي للدراسات الاستراتيجية بالعاصمة المغربية الرباط، إلى الاندماج بين الدول الأفريقية لمواجهة التحديات الأمنيّة والاقتصادية في القارة، مؤكّدين على أهميّة دور الرباط في خدمة قضايا القارة السمراء.

وقال محمد بنحمو، رئيس “المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية”، إنّ “العلاقات بين المغرب والاتحاد الأفريقي، كمنظمة إقليمية، معقدة”، مؤكّدا أنّه “لا يمكن الحديث في هذا الإطار عن خفوت أو محدودية الدور المغربي في أفريقيا”.

وشدّد بنحمو على أنّ “المغرب فاعل أساسي في الأمن والاستقرار والتنمية بأفريقيا، رغم غيابه المبرّر عن الاتحاد الأفريقي الذي لا يزال يسير بأجندات غير أفريقية تسعى إلى إقصاء المغرب”، على حد قوله.

بدوره، قال “مناصي أبويا أوندوغ”، المدير التنفيذي لمجموعة الباحثين حول النظم البرلمانية والديمقراطية في أفريقيا بالكاميرون، إنّ “منظمة الوحدة الأفريقية عند تأسيسها، كانت ضحية الشروخ الأيديولوجية بين أنظمة دولها، ولم تكن تهتم بسؤال التنمية في أفريقيا خصوصا وأنّ عموم دول القارة كانت حديثة عهد بالاستقلال”.

زانوا أوندريه كورني، المدير المنتدب لمعهد الدراسات حول السلام والأمن الدولي بالبينين، انتقد بدوره “إقدام الاتحاد الأفريقي على إحداث منصب مبعوث الاتحاد للصحراء ضدّ إرادة المغرب”، معتبرا ذلك “انحيازا من الاتحاد لجانب الجزائر والبوليساريو، وضد مصالح المغرب”.

وتوجّه بالنقد للتدخل الغربي في الدول الأفريقية، حيث أشار إلى أن الاستعمار خلف أضرارا كبرى للدول التي كانت تخضع لحكمه، موضحا كيف عرقل الاحتلال الغربي لدول أفريقيا مسار التنمية بها لسنوات طويلة واستغل خيراتها وطاقات أبنائها، كما “رسّخ أسباب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد وزرع أسباب النزاع والفتنة بين دول الجوار”.

وحمّل الملك محمد السادس، الدول الاستعمارية مسؤوليتها التاريخية في الأوضاع الصعبة، والمأساوية أحيانا، التي تعيشها بعض دول الجنوب وخاصة بأفريقيا.

ومع ذلك، أوضح أنّ استحضار الآثار السلبية للماضي الاستعماري لا يهدف إلى محاكمة أيّ كان، وإنما هو دعوة صادقة لإنصاف دول الجنوب من خلال إعادة النظر في طريقة التعامل معها، ودعم مساراتها التدريجية نحو التقدم.

وقال إنه ليس من حق هذه الدول أن تطالب بلدان الجنوب بتغيير جذري وسريع وفق منظومة غريبة عن ثقافتها ومبادئها ومقوّماتها، وكأنه لا يمكن تحقيق التنمية إلا حسب نموذج وحيد هو النموذج الغربي.

وعلى هذا الأساس وجّه العاهل المغربي نداءً ثانيا إلى المجتمع الدولي للتعامل بمزيد من الواقعية والحكمة مع دول الجنوب، وتفهّم ظروفها، سواء في مساراتها الديمقراطية أو التنموية.

كما انتقد بشدّة تعامل الدول الغربية مع دول الجنوب على الصعيد التنموي رغم استغلالها طويلا لثرواتها، قائلا إنّ “بعض الدول الغربية، التي لم تطلب الإذن من أحد لاستعمار بلدان الجنوب، تتمادى في فرض شروط صارمة عليها تعرقل مسارها الطبيعي نحو التقدم”.

ورفض في هذا الصدد تلقي دول الجنوب أيّ دروس من القوى العالمية، وفق قوله إنّ “الدول الغربية والمؤسسات التابعة لها لا تعرف سوى تقديم الكثير من الدروس، وفي أحسن الأحوال بعض النصائح، أما الدعم فهو ضعيف جدا ودائما ما يكون مشروطا”.

واعتبر الملك محمد السادس أن الاستقرار في دول الجنوب لن يتحقق دون تنمية، كما أن التنمية لن تستقيم دون استقرار، وكلاهما حسب العاهل المغربي مرتبط باحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وثقافة وعادات شعوبها، وبتمكينها من ظروف العيش الحر الكريم.

يُذكر أن العاهل المغربي كان قد أكد في خطابه بأبيدجان، في فبراير الماضي، بأن أفريقيا ليست في حاجة إلى المساعدات الإنسانية بقدر ما تحتاج إلى شراكات ذات النفع المتبادل.

ابن كيران قبيل إلقائه خطاب الملك محمد السادس في الدورة الـ69 للجمعية العامة للأمم المتحدة

وشدد، آنذاك، على ضرورة تحرر أفريقيا من ماضيها، ومن مشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والاعتماد بالأساس على قدراتها الذاتية، في تحقيق تنميتها.

واعتبر مراقبون أنّ العاهل المغربي وضع إصبعه على الداء وسمّى الأشياء بمسمياتها، رافضا سياسة المنّ والمساعدة ومُطالبا بالتعامل الند للند مع دول الجنوب، على أساس الشراكة العادلة المبنية على تبادل المصالح.

العاهل المغربي، لم يفته تتويج خطابه الموجه للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والستين، بالتأكيد على أن “العالم اليوم في مفترق الطرق، فإمّا أن يقوم المجتمع الدولي بدعم الدول النامية، لتحقيق تقدمها، وضمان الأمن والاستقرار بمناطقها، وإما أننا سنتحمل جميعا عواقب تزايد نزعات التطرف والعنف والارهاب التي يغذّيها الشعور بالظلم والإقصاء، والتي لن يسلم منها أي مكان في العالم”.

واعتبر أنّ تحقيق التنمية المستدامة تُعدّ من التحديات الملحة التي تواجه البشرية، موضحا أنه من الضروري إيجاد التوازن المطلوب بين مستلزمات التقدم الاقتصادي والاجتماعي ومتطلبات حماية البيئة، فضلا عن ضرورة الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق استدل الملك محمد السادس بالنموذج التنموي المغربي القائم على القيم الحضارية للشعب المغربي وخصوصياته الوطنية، وعلى التفاعل الإيجابي مع المبادئ والأهداف الدولية في هذا المجال، ليوضّح أن تحقيق التنمية المستدامة، لا يتم بقرارات أو وصفات جاهزة.

2