العاهل المغربي يدعو المجتمع الدولي لإعادة الاعتبار لأفريقيا

الجمعة 2014/09/26
خطاب العاهل المغربي علامة فارقة في تاريخ القارة الأفريقية

نيويورك ـ حثّ العاهل المغربي الملك محمد السادس المجتمع الدولي على العمل من أجل "إنصاف الدول النامية وخاصة بإفريقيا"، والتعامل الموضوعي مع إشكالية التنمية فيها بالكف عن مجرد تقديم الدروس الفوقية لها، حول المناهج المتبعة لتحقيق التنمية فيها، دون أن تقدم لها دعما حقيقيا يحقق لها التقدم والأمن والاستقرار ويحميها من شرور الإرهاب والتطرف الذي يتغذى أساسا من الشعور بالظلم والحيف ويمكن ان يلحق أذاه جميع الدول في العالم.

وحمّل العاهل المغربي في خطابه الذي وجهه إلى الدورة التاسعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة وتلاه نيابة عنه رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، الاستعمار والدول الاستعمارية مسؤولية الأضرار الكبيرة التي لحقت من جرائه بالدول التي كانت تخضع له، وخاصة في القارة الإفريقية التي ما تزال تعاني من ويلاته إلى اليوم.

وقال الملك محمد السادس إن الاستعمار الذي "عرقل مسار التنمية بها، لسنوات طويلة، واستغل خيراتها وطاقات أبنائها، وكرس تغييرا عميقا في عادات وثقافات شعوبها. كما رسخ أسباب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع أسباب النزاع والفتنة بين دول الجوار"، ليس من حق الدول التي مارسته "أن تطالب بلدان الجنوب، بتغيير جذري وسريع، وفق منظومة غريبة عن ثقافتها ومبادئها ومقوماتها. وكأنه لا يمكن تحقيق التنمية، إلا حسب نموذج وحيد، هو النموذج الغربي"، رغم "كل هذه الآثار السلبية" التي خلفها هذا النموذج.

وأضاف "رغم مرور العديد من السنوات، فإن الدول الاستعمارية، تتحمل مسؤولية تاريخية، في الأوضاع الصعبة، والمأساوية أحيانا، التي تعيشها بعض دول الجنوب وخاصة بإفريقيا".

ونبه إلى أن "بعض الدول الغربية، التي لم تطلب الإذن من أحد، لاستعمار بلدان الجنوب، بدل تقديم الدعم اللازم لشعوبها، تتمادى في فرض شروط صارمة عليها، تعرقل مسارها الطبيعي نحو التقدم"، مشددا على أن هذه "الدول الغربية، والمؤسسات التابعة لها، لا تعرف سوى تقديم الكثير من الدروس، وفي أحسن الأحوال بعض النصائح. أما الدعم فهو ضعيف جدا ودائما ما يكون مشروطا.. والأكثر من ذلك، فإنها تطالب دول الجنوب، بتحقيق الاستقرار والتنمية، خلال فترة محدودة جدا، ووفق مواصفات محددة ومفروضة، دون اعتبار لمسار هذه الدول، ولخصوصياتها الوطنية".

وأكد العاهل المغربي أن انصاف الدول النامية وخاصة دول القارة الإفريقية يقتضي ضرورة "التعامل الموضوعي مع إشكالية التنمية بها"، مشددا على أن "تحقيق التنمية المستدامة، لا يتم بقرارات أو وصفات جاهزة.. كما أنه ليس هناك نموذج واحد في هذا المجال".

ودعا إلى "ضرورة احترام خصوصيات كل بلد، في مساره الوطني، وإرادته الخاصة، لبناء نموذجه التنموي، لاسيما بالنسبة للدول النامية، التي ما تزال تعاني من آثار الاستعمار"، مؤكدا أن لـ"كل بلد له مساره الخاص، حسب تطوره التاريخي، ورصيده الحضاري، وما يتوفر عليه من طاقات بشرية، وموارد طبيعية، وحسب خصوصياته السياسية، وخياراته الاقتصادية، وما يواجهه من عراقيل وتحديات".

واعتبر أن "ما ينطبق على الغرب، لا يجب أن يتم اعتماده كمعيار وحيد لتحديد نجاعة أي نموذج تنموي آخر.. كما لا ينبغي المقارنة بين الدول، مهما تشابهت الظروف، أو الانتماء لنفس الفضاء الجغرافي"، حاثا المجتمع الدولي على ضرورة "التعامل بالمزيد من الواقعية والحكمة مع هذه الدول، وتفهم ظروفها، في مساراتها الديمقراطية والتنموية".

وقال العاهل المغربي "إن استحضار الاثار السلبية، للماضي الاستعماري، لا يهدف إلى محاكمة أي كان.. وإنما هو دعوة صادقة لإنصاف دول الجنوب، من خلال إعادة النظر في طريقة التعامل معها، ودعم مساراتها التدريجية، نحو التقدم"، مذكرا بما كان قاله في خطابه بأبيدجان في فبراير/شباط 2014 من "أن إفريقيا ليست في حاجة للمساعدات الانسانية، بقدر ما تحتاج لشراكات ذات النفع المتبادل.."، والى "ضرورة تحررها من ماضيها، ومن مشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والاعتماد بالأساس على قدراتها الذاتية، في تحقيق تنميتها".

واضاف أن مشكل القارة الإفريقية "لا يرتبط بطبيعة ومؤهلات الانسان الإفريقي، فقد أثبت قدرته على العطاء والإبداع، كلما توفرت له الظروف الملائمة، وتحرر من الارث الثقيل، الذي خلفه الاستعمار.. كما أن مشكلة التنمية بإفريقيا، لا تتعلق بطبيعة الأرض والمناخ، رغم قساوته في بعض المناطق، وإنما بما تم تكريسه من تبعية اقتصادية، ومن ضعف الدعم ومصادر التمويل، وانعدام نموذج تنموي مستدام".

واعتبر الملك محمد السادس أن هذه المعطيات تبين بالضرورة أن تقديم "المساعدة لهذه الدول ليسا خيارا أو كرما، وإنما هو ضرورة وواجب، رغم أن ما تحتاجه الشعوب، في حقيقة الأمر، هو التعاون المثمر، على أساس الاحترام المتبادل".

ورأى أن "الامر يتطلب توفير الظروف الملائمة، على مستوى الفكر والممارسة، للانتقال من مرحلة إلى أخرى، في المسارين الديمقراطي والتنموي، دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول، التي عليها في المقابل، الالتزام بمبادئ الحكامة الجيدة".

ودعا العاهل المغربي القوى الاقتصادية الكبرى في العالم إلى ضرورة التخلي عن المعايير المعتمدة راهنا لـ"تنقيط وتصنيف الدول" وتقديم المساعدات لاحقا على ضوء هذه التصنيفات لأنها "تثير العديد من التساؤلات".

وقال إن طريقة تقديم المساعدات على أساس هذه التصنيفات، وبشروط تعجيزية "أبانت عن محدوديتها، وعن بعدها، في الكثير من الأحيان، عن واقع دول الجنوب، وعجزها عن تقديم صورة موضوعية عن مستوى التنمية البشرية بها"، داعيا إلى "اعتماد الرأسمال غير المادي، ضمن المعايير الرئيسية لقياس ثروة الدول وتصنيفها"، لأن "الرأسمال غير المادي ـ كما أثبتت ذلك الدراسات، التي قام بها البنك الدولي ـ يقوم على مجموعة من المعطيات، المرتبطة بواقع عيش السكان، كالأمن والاستقرار، والموارد البشرية، ومستوى المؤسسات، وجودة الحياة والبيئة.. وهي معطيات لها تأثيرها الكبير في وضع السياسات العمومية"، مشددا على أن "تطور الدول لا ينبغي أن يخضع لأي تنقيط أو تصنيف. وإنما يجب التعامل معه كمسار تاريخي، يقوم على التراكمات الايجابية لكل بلد، ويحترم خصوصياته".

ونوه العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى أن "الاستقرار (في العالم) لن يتحقق بدون تنمية.. كما أن التنمية لن تستقيم بدون استقرار.. وكلاهما مرتبط باحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وثقافة وعادات شعوبها، وبتمكينها من ظروف العيش الحر الكريم".

1