العاهل المغربي يفعّل مبدأ المحاسبة بمعاقبة وزراء أخلوا بمسؤولياتهم

الخميس 2017/10/26
لن نتساهل مع المقصرين

الرباط - عكست الإجراءات التي أعلن عنها العاهل المغربي الملك محمد السادس توجها صارما نحو محاسبة المسؤولين على التقصير أو التهاون، والذين يسيء سلوكهم لدور الدولة وصورتها لدى المواطنين.

وقال محللون سياسيون وخبراء مغاربة إن إقالة عدد من الوزراء والمسؤولين السابقين لا يتعلق فقط بالتقصير في تنفيذ برنامج ملكي واعد لفائدة مدينة الحسيمة وكان تأخره وراء الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة، وإنما الخيار الملكي سيكون توجها عاما مستقبليا لوضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم.

وأعفى العاهل المغربي عددا من الوزراء وكبار المسؤولين من مناصبهم بينهم محمد حصاد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، والذي كان يشغل وزير الداخلية في الحكومة السابقة، والقيادي البارز في الحركة الشعبية والمرشح لأمانتها العامة. وأقال كذلك وزير الصحة الحسين الوردي في الحكومتين الحالية والسابقة بالإضافة إلى محمد نبيل بن عبدالله وزير السكن في كلتا الحكومتين والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية.

وقالت وكالة المغرب العربي للأنباء إن الملك محمد السادس أقدم على هذه الخطوة بعدما اكتشفت وكالة اقتصادية خللا ببرنامج لتنمية منطقة الريف.

وطالب العاهل المغربي في وقت سابق رئيس المجلس الأعلى للحسابات المعني بمراقبة الماليات العامة بالتحقيق في أسباب تأخر مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”.

وقال بيان صادر عن القصر الملكي إن “هذه القرارات الملكية تندرج في إطار سياسة جديدة لا تقتصر على منطقة الحسيمة فقط وإنما تشمل جميع مناطق المغرب وتهم كل المسؤولين على اختلاف مستوياتهم”.

وأشار المراقبون إلى أن قرارات الإقالة التي طالت وزراء بعضهم قياديون في الأحزاب وآخرون تكنوقراط ستحدث حراكا كبيرا داخل الأحزاب وخارجها، وخاصة أنها ستجعل كبار المسؤولين يعرفون أن الرقابة موجودة وأن التهرب من المسؤولية أو التهاون فيها لن يمر دون عقاب.

وشددوا على أن الرسالة الأهم التي تبعث بها هذه الإقالات هي أن الملك محمد السادس ماض في تنفيذ ما جاء في خطاباته الأخيرة من تحميل المسؤولية للمقصرين، وأن الدولة ليس في واردها أن تغطي عنهم أو تتحمل مسؤولية أخطائهم مثلما حصل في ملف الحسيمة.

وعبّر العاهل المغربي في أكثر من مرة عن “استيائه وانزعاجه وقلقه، بخصوص عدم تنفيذ مشاريع تنموية بإقليم الحسيمة (شمال) في الآجال المحددة لها”.

وفي أكتوبر 2015 أشرف الملك محمد السادس على إطلاق برنامج التنمية المجالية لإقليم الحسيمة (2015-2019)، والذي أطلق عليه اسم “الحسيمة منارة المتوسط”، بميزانية بلغت 6.5 مليار درهم (667 مليون دولار).

واعتبر أمين السعيد الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية أن البيان يعكس مدى التفاعل الملكي مع الطلب المجتمعي الداعي إلى توسيع مساحات المسؤولية، مشيرا إلى أن الملك محمد السادس قدم إشارات سياسية قوية من شأنها أن تصحح العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع.

ولاحظ عبدالمنعم لزعر، الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المؤشرات توحي بأن الخطوات الملكية لن تقتصر على إعفاء الوزراء المقصرين وسحب الثقة من آخرين، بل هناك رغبة ملكية في تمديد أثر تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليشمل جل مواقع المسؤولية بالمغرب في انتظار سقوط مسؤولين جدد.

وأكد لزعر في تصريح لـ”العرب” أن القرار الملكي سيساهم في فتح نقاش سياسي حول جدوى مشاركة كل من حزبي الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية في الحكومة اللذين ينتمي عدد من الوزراء المقالين إليهما.

ويتفق مع هذا الطرح محمد الزهراوي، الباحث في العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، بتأكيده لـ”العرب”، أن إعفاء وزير يحمل صفة أمين عام حزب، مؤشر على خروج هذا الحزب من الأغلبية الحكومية إلى المعارضة ودخول حزب جديد من المرجح أن يكون حزب الاستقلال.

ويعتقد محمد ياوحي، عضو اللجنة الإدارية لحزب التقدم والاشتراكية، في تصريح لـ”العرب”، أن إعفاء نبيل بن عبدالله وزير السكنى والتعمير وسياسة المدينة ستكون له انعكاسات على مركزه داخل الحزب.

وسيساهم قرار الإعفاء، حسب الباحث عبدالمنعم لزعر، في فتح نقاش داخل حزب التقدم والاشتراكية حول مستقبل الأمين العام وكذلك الأمر داخل حزب الحركة الشعبية حيث سيتم التفكير في سيناريو ما بعد الأمين العام الحالي.

وقال أمين السعيد إن الإشارات السياسية القوية المرتبطة بالانتماءات الحزبية للمسؤولين المعنيين بقرار الإعفاء، أظهرت تراجع فرضية التوتر الحاصل بين حزب العدالة والتنمية وجزء من المحيط الملكي، الشيء الذي يؤكد على حيادية وموضوعية التقرير المرفوع للملك من لدن المجلس الأعلى للحسابات وهو ما يعزز استقلالية هذه المؤسسة.

1