العاهل المغربي ينصف المواطن في أزمته مع الإدارة

وجّه العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية البرلمانية العاشرة، التي تعتبر ثاني ولاية تشريعية في ظل الدستور المغربي الجديد، بضرورة القيام بثورة داخل الإدارة المغربية وكسر تلك الصورة التقليدية للعلاقة بين المواطن والإدارة من خلال تغيير السلوكيات والعقليات من أجل مرفق عمومي فعال في خدمة المواطن.
الأحد 2016/10/16
متابعة دقيقة

الرباط – افتتح العاهل المغربي الملك محمد السادس أشغال الدورة الأولى للبرلمان عشية الجمعة 14 أكتوبر، بخطاب موجّه للحكومة القادمة والبرلمانيين الجدد الذين انتخبهم المغاربة ليكونوا خير ممثلين لهم في مجلس النواب وخير ساهرين على تلبية احتياجاتهم.

ولم يعد غريبا، بعد سلسلة الخطابات التي ألقاها الملك محمد السادس، في العديد من المناسبات سابقة، أن يتوجّه العاهل المغربي بخطاب قوي محمّل برسائل مهمة وصارمة إلى الإدارة المغربية، بمختلف ممثليها ومكوّناتها، وهو الذي أكّد قائلا “لا تهمّني الحصيلة والأرقام في المنجزات أكثر مما يهمني التأثير المباشر على المواطن”.

سيرا على هذا النهج، حمّل الملك محمد السادس خطاب افتتاح السنة التشريعية الجديدة، نقدا شديدا لأداء الإدارة المغربية التي وصفها بأنها “تعاني من التضخم ومن قلة الكفاءة وغياب روح المسؤولية لدى العديد من الموظفين وتعاني بالأساس من ثقافة قديمة لدى أغلبية المغاربة، وهي تشكل بالنسبة إلى العديد منهم مخبأ يضمن لهم راتبا شهريا دون محاسبة على المردود الذي يقدمونه”.

وأشار إلى أن افتتاح السنة التشريعية ليس مجرد مناسبة دستورية للتوجه إلى مخاطبة أعضاء البرلمان، وإنما هو منبر يتوجه من خلاله في الوقت نفسه إلى الحكومة والأحزاب، وإلى مختلف الهيئات والمؤسسات والمواطنين، مضيفا أن الموعد “لا يشكل فقط فرصة لتقديم التوجيهات والنقد أحيانا بخصوص العمل النيابي والتشريعي بل هو منبر أستمع من خلاله لصوت المواطن الذي تمثلونه”.

وفي توجيهات تفتح الباب لثورة إصلاحات في الإدارة المغربية، قال الملك محمد السادس إن “إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكيات والعقليات وجودة التشريعات من أجل مرفق إداري عمومي فعال في خدمة المواطن”، داعيا إلى “تكوين وتأهيل الموظفين، الحلقة الأساسية في علاقة المواطن بالإدارة وتمكينهم من فضاء ملائم للعمل، مع استعمال آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب”.

بالتوازي مع تطوير الشكل التقليدي للإدارة شدّد العاهل المغربي على ضرورة “تعميم الإدارة الإلكترونية بطريقة مندمجة تتيح الولوج المشترك للمعلومات بين مختلف القطاعات والمرافق لتسهيل حصول المواطن على الخدمات في أقرب الآجال دون الحاجة إلى كثرة التنقل والاحتكاك بالإدارة الذي يعد السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة الرشوة واستغلال النفوذ”.

واعتبر حسن زرداني، الأستاذ الباحث بكلية الحقوق جامعة القاضي عياض في مراكش، في تصريح لـ”العرب”، أن الملك محمد السادس لم يقم في خطابه داخل البرلمان بسرد الإنجازات والوقوف على ما لم يتحقق منها فيما يتعلق بدور البرلمان في مجال مراقبة الحكومة وتقويم السياسات العمومية، بل ركز على علاقة المواطن بالإدارة، وتقييم شامل للمرافق الإدارية بلغة غلب عليها التقريع والتحذير مبـرزا الاختلالات التي تتخبط فيها الإدارة المغربية.

وتعطي رسائل الملك محمد السادس دفعا قويا لمسيرة الإصلاحات التي انطلق فيها المغرب منذ سنوات، وتوّجها سنة 2011 بالتعديلات الدستورية، التي انعكست بدورها ضمن الاستحقاقات الانتخابية التي كان آخرها الانتخابات التشريعية يوم 7 أكتوبر 2016.

الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات، هو خدمة المواطن ودون قيامها بهذه المهمة، فإنها تبقى عديمة الجدوى بل لا مبرر لوجودها أصلا

وأشار حسن زرداني أن خطاب العاهل المغربي جاء ترجمة لما جاء في دستور 2011، الذي أفرد بابا كاملا لمبادئ الحكامة الجيدة مؤكدا على معايير الجودة والشفافية والمحاسبة والقيم الديمقراطية التي يجب أن تخضع لها المرافق العمومية.

ويؤكد خالد الشرقاوي السموني، رئيس مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية في تصريح لـ”العرب”، أن إشراف الملك محمد السادس ومتابعته لمشاريع التنمية بأقاليم المملكة وجهاتها، جعلته يقترب أكثر من المواطنين، ويتفهم أزمتهم مع بيروقراطية الإدارة.

ونظرا للأدوار التي تلعبها الإدارة المغربية وعلاقاتها مع المواطن فقد وضع خطاب العاهل المغربي الإصبع على مكمن العطب داخل هذا المرفق العمومي الهام، وقد أكد الملك محمد السادس أن “الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات، هو خدمة المواطن. ودون قيامها بهذه المهمة، فإنها تبقى عديمة الجدوى، بل لا مبرر لوجودها أصلا”.

ويرى حسن زرداني أن العاهل المغربي اختار مناسبة افتتاح الدورة البرلمانية للحديث عن إصلاح الإدارة وتحسين علاقتها بالمواطن تكريسا للتوجه التحديثي في خطاباته التي تعكس اهتماما جادا بالقضايا والانشغالات الحقيقية للمواطنين بغض النظر عن المناسبة.

ويؤكد ملاحظون على أن خطاب العاهل المغربي الموجه لنواب الأمة يعتبر ممارسة توجيهية خاضعة للقواعد الدستورية وجاء كتحفيز لهم على العمل لزرع ثقة المواطن المغربي بالمؤسسات وبالمسار الانتخابي كآلية لترسيخ الديمقراطية، وعقلنة العمل داخل المؤسسة التشريعية.

ويعتقد خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة وجدة، أن الملك محمد السادس وضع منهجا للإصلاح الإداري بعد أن حدد مواطن العطب المرتبط للإدارة بالمغرب، منطلقا من رؤية عميقة للخلل الذي تعاني منه الإدارة من بطء وبيروقراطية وفساد وغيرها من الظواهر.

وأكد شيات، في حديثه لـ”العرب”، على أن العاهل المغربي حدد بوضوح الجوانب التي يجب أن تربط بين الخلل والعمل والغاية من التنظيم والنشاط الإداري وكل ذلك في نسق سياسي عام يقوم على مرحلية مفصلية تأتي في نسق تصاعدي يربط بين الإصلاح الإداري والإصلاح السياسي.

العاهل المغربي وضع البرلمانيين أمام مسؤوليتهم الديمقراطية لخدمة الشعب الذي انتخبهم، الأمر الذي يضع البرلمانيين أمام مسؤولية كبيرة

والحقيقة أن كل ما جاء في الخطاب الملكي هو إطار ينم عن معرفة عميقة لمواطن الخلل ويحدد مسؤوليات الحكومة في العمل على الإصلاح، وذلك لمواجهة كافة التحديات التي تحملها السياقات الجيوسياسية الإقليمية المتقلبة تتطلب إصلاحا شاملا للإدارة.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه مرتبط بتوزيع الأدوار داخل كل مؤسسات الدولة وتضافر الجهود ما يجعل الولاية التشريعية والحكومية المقبلة تشتغل في ظل خطط واستراتيجيات تهتم بفعالية بالقضايا الوطنية المرتبطة بالاستثمارات الخارجية والداخلية وبالسياسة الخارجية وخصوصا ما يرتبط بقضية الصحراء المغريية.

ويعد هذا الخطاب، وفق خالد شيات، محطة يمكن أن يرتبط فيها الإصلاح الإداري بالعمل النظري الموجود والمهيأ في الجامعات، وأن تفتح أوراق النقاش الفعال من جديد حول آلية تطبيقية للإصلاح على مستويات التنظيم والنشاط والتخلي الإداري.

في الوقت الذي كشف فيه حسن زرداني أن تبسيط المساطر الإدارية ودعم الإدارة الإلكترونية يعتبر مفتاحا للنجاعة الإدارية كمعيار لتجاوز التصنيفات الدولية المتأخرة في علاقة الإدارة بالمواطن، وذلك بتسهيل الأداء والولوج إلى الإدارة مع التنزيل السليم لمفهوم الجهوية المتقدمة وسياسة اللامركزية واللاتمركز خدمة للمواطن.

ويستوجب الإصلاح الإداري ترجمة فعلية للمفهوم الجديد للسلطة الذي أكد عليه العاهل المغربي، وذكّر به في خطاب البرلمان، وذلك بتشديده على أن الإدارة يجب أن تكون في خدمة المواطن وليس العكس؛ فالعديد من المواطنين حسب العاهل المغربي “يشتكون من قضايا نزع الملكية، لأن الدولة لم تقم بتعويضهم عن أملاكهم، أو لتأخير عملية التعويض لسنوات طويلة تضر بمصالحهم، أو لأن مبلغ التعويض أقل من ثمن البيع المعمول به، وغيرها من الأسباب”.

ويقارب عدد الموظفين العموميين في المغرب الـ900 ألف موظف يتوزعون بالخصوص على قطاع التعليم (36 بالمئة) والداخلية (31 بالمئة) والصحة (10 بالمئة).

ونبّه العاهل المغربي إلى أن “الصعوبات التي تواجه المواطن في علاقته بالإدارة كثيرة ومتعددة تبتدئ من الاستقبال مرورا بالتواصل إلى معالجة الملفات والوثائق بحيث أصبحت ترتبط في ذهنه بمسار المحارب. فمن غير المعقول أن يتحمل المواطن تعب وتكاليف التنقل إلى أيّ إدارة سواء كانت قنصلية أو عمالة أو جماعة ترابية أو مندوبية جهوية وخاصة إذا كان يسكن بعيدا عنها ولا يجد من يستقبله أو من يقضي غرضه”.

وقال “من غير المقبول ألا تجيب الإدارة على شكايات وتساؤلات الناس وكأن المواطن لا يساوي شيئا، أو أنه مجرد جزء بسيط من المنظر العام لفضاء الإدارة. فبدون المواطن لن تكون هناك إدارة، ومن حقه أن يتلقى جوابا على رسائله وحلولا لمشاكله”.

خطاب الملك بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية البرلمانية العاشرة، وكما قال خالد الشرقاوي السموني، لم يكن خطابا سياسيا عاما بخطوط عريضة، بل جاء بحمولة مرتبطة بمصالح المواطنين بشكل مباشر، لقد وضع العاهل المغربي البرلمانيين أمام مسؤوليتهم الديمقراطية لخدمة الشعب الذي انتخبهم، الأمر الذي يضع البرلمانيين أمام مسؤولية كبيرة.

كاتب من المغرب

4