العبء المغاربي

الدول المغاربية استسلمت في بعدها الاتحادي إلى سياسات محلية خاطئة كونها قامت على نقيض العمل المغاربي المشترك، بل والعمل العربي الجماعي كما هي الدول العربية الأخرى، وسياستها تلك أفادت الشركاء الغربيين.
الخميس 2018/12/20
رسائل المغرب إلى الجزائر توحي بالكثير من التفاؤل

الأوضاع التي تعيشها دول المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) مختلفة من ناحية خصوصية كل دولة، على اعتبار أن المشكلات المحلية والمشاريع الوطنية ليست واحدة، لكنها متداخلة على مستويين.

الأول: مستوى العلاقات البينية، والثاني: العلاقات الجماعية، التي تشكل ما يعرف باتحاد المغرب العربي، أو بالأحرى ما بقي منه، ضمن منظومة قانونية لا تزال موجودة، يمكن العودة إليها إذا رغبت الأطراف المغاربية في ذلك، أو حين يكون الحديث بين عناصر النخبة حول الوحدة في شقّيها الإقليمي والقومي، وأيضا حين يعود التاريخ، ذكرى وتذكرا، من بعض الذين أسهموا في تأسيس الاتحاد المغاربي في قرون الاحتلال، وفي عقود الاستقلال، لكن كل هذا لا يقف اليوم شفيعا ولا داعما لاتخاذ أي قرار سياسي بين القادة سواء في الدول التي لا تزال قائمة بشكلها التقليدي، أو التي تعاني من مشكلات محلية فرضها الصراع من أجل السلطة، أو الأخرى التي عشّش فيها الإرهاب على خلفية الاحتماء به تارة، والاعتراف بتيار الإسلام السياسي تارة أخرى.

غياب اتخاذ قرار سياسي يرمّم ما بقي من بناء الاتحاد المغاربي، يعود إلى تراكم الاختلافات حول الموقف من القضايا المشتركة، واتساع دائرة المخاوف من ذلك: انتقال عدوى الإرهاب كما في الحالة الليبية، ووصول تيار الإسلام السياسي، الإخوان المسلمون خاصة، إلى الحكم كما في الواقع السياسي التونسي، وغياب جهة محددة صانعة للقرار نتيجة مرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كما هو الأمر في الجزائر، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية كما هو الوضع في المغرب، وتحالفات إقليمية ودولية لمواجهة الإرهاب كما هي موريتانيا اليوم، وهذه المخاوف جميعها رغم حقيقة وجودها ليست وليدة اليوم، ولكنها تراكمت في ظل تعميق الشوفينية الوطنية الضيّقة، وما نتج عنها من غرق في المحلية قلّل من أي تعاون حقيقي أو مفترض، بل جعل مبررات من يصنعون القرار في تلك الدول مرفوضة، حتى حين يصرّون على أن المصلحة الوطنية تقتضي هذا، لأن تلك القناعة غلّبت كفة العلاقة وتقويتها مع الدول الأخرى، سواء المنتمية للاتحاد الأوروبي أو لدول أخرى بعيدة مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، على حساب مصالح الشعوب المغاربية.

هنا يطرح السؤال الآتي: مادامت الدول المغاربية غارقة في قضاياها المحلية، فلماذا يظهر بين الحين والآخر من يدعو إلى ضرورة تفعيل الاتحاد المغاربي؟

يمكن أن نجد الإجابة في قراءتنا للأحداث الجارية هناك، حيث تبدو الصورة غير واضحة نتيجة ضبابية الرؤية بين القادة أنفسهم، ذلك لأن التركيز يتم في الغالب على العلاقات الثنائية البينية، وليست الجماعية، وأكثرها نقاشا يأتي من الدولتين الكبيرتين، الجزائر والمغرب، كون أن هاتين الدولتين تمثلان العمود الفقري للاتحاد، وأي توتر في علاقتهما على النحو المستمر منذ 24 سنة، يعطّل أي تقارب أو تعاون بين الدول المغاربية مجتمعة، بل يؤثر سلبا على مستوى استقطاب الدول الثلاث الأخرى في علاقتها إما مع الجزائر أو مع المغرب.

قد يذهب البعض إلى التفاؤل، بتقارب بين الجزائر والمغرب يلوح في الأفق، والكثير من المعطيات الراهنة تشير إلى هذا، ومن ذلك الرسائل التي يبعث بها المغرب إلى الجزائر بين الحين والآخر، والنقاش المتطور، حول الصحراء، والتعاون بينهما في بعض المجالات والمواقف الدولية، ولكن كل هذا يظل مشوبا بالحذر نظرا للتجارب السابقة بين الدولتين هذا أولا.

وثانيا لأن الدول المغاربية تمثل عبئا عن نفسها منفردة، حيث المشكلات السياسية، خاصة تلك المتعلقة بالسلطة والشرعية، بل ومصير الدولة القُطرية، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المزرية بنسب مختلفة، والأوضاع الأمنية الصعبة، والتي وصلت إلى درجة تهديد وجود الأفراد والمجتمعات والدول، وإدخال الجيوش كطرف أساسي في الصراعات السلطوية الداخلية سواء تعلق الأمر بحماية الدول أو بحماية الأنظمة والحكومات، كما تمثل عبئا على العلاقات الثنائية والجماعية، والأكثر من هذا أن دول الاتحاد المغربي عبء على شركائها الاقتصاديين والعسكريين والأمنيين.

المُحصّلة النهائية كما يظهرها المشهد العام تبيّن أن الدول المغاربية تمثل مجموعة أعباء. لقد استسلمت في بعدها الاتحادي إلى سياسات محلية خاطئة كونها قامت على نقيض العمل المغاربي المشترك، بل والعمل العربي الجماعي كما هي الدول العربية الأخرى، وسياستها تلك أفادت الشركاء الغربيين. لكن بعد أن انفجرت الأوضاع في الدول الأوروبية المتوسطية، خاصة فرنسا، أصبح من الضروري أن تكون الدول المغاربية جبهة واحدة من أجل معاملات دولية مقبولة، ولكي يتم ذلك عليها التخلص من حمولتها التاريخية القائمة على طرح شعارات ذات طابع وحدوي والعمل عكسها، ذلك إذا أرادت أن تقدم عملا صالحا ينقذها من زحف لاجئي دول الجوار الأفريقية، ومن مخالب وأنياب الجماعات الإرهابية المتطرفة، ومن ألاعيب الأحزاب الدينية المعادية للاتحاد على خلفية عداوتها لمصالح الأوطان ضمن الإقليم الواحد، ومن استغلال الدول الأجنبية لها بشكل منفرد، وتحقيق مكاسب ومصالح على حسابها نتيجة لسوء العلاقة بينها.

9