العبادي في الرياض والسعودية في العراق

الثلاثاء 2017/10/24

زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي برفقة وفد حكومي رفيع المستوى إلى المملكة العربية السعودية، ولقاؤه بالملك سلمان بن عبدالعزيز والأمير محمد بن سلمان، وتوقيع الرياض وبغداد حزمة من المعاهدات والاتفاقيات المشتركة إضافة إلى إنشاء مجلس للتنسيق المشترك، يمثل كل ذلك مستجدّا سياسيا واستراتيجيا في غاية الأهمية ينبغي الوقوف عنده مطوّلا، لا فقط في مستوى ما تدلّ عليه الأحداث القائمة وإنما أيضا في دلالات السياقات والتداعيات القادمة.

من الواضح أنّ هناك انجذابا سياسيا بين بغداد والرياض عبّرت عنه زيارة وزير الخارجيّة السعودي عادل الجبير إلى العاصمة العراقية في 25 فبراير 2017، وهي الزيارة الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى إلى العراق منذ حرب الخليج الثانية 1991، لتتلوها في وقت لاحق زيارة العبادي إلى الرياض في 20 يونيو الماضي قبل “زيارة القمة” الأخيرة والتي جسّدت تقاربا جدّيا حقيقيا بين البلدين.

مؤسسة التنسيق المشترك في تقديرنا تلخّص مضمون العلاقات وطبيعتها في سياقها الحالي على الأقلّ، فالطرفان يقرّان بالأهمية الاستراتيجية المتبادلة وكما أنّ لديهما في حقّ بعضهما البعض محفزات تقارب، فلهما أيضا ضدّ بعضهما البعض سجالات ومساجلات تباعد.

اختارت السعوديّة منذ بداية عهد الملك سلمان أن تنخرط في الملفّ العراقيّ وأن تسجل حضورها بدبلوماسية ذكيّة بمنأى عن منطق التدخّل المباشر ولكن أيضا بعيدا عن سياسة “النأي بالنفس” التي اعتمدتها الرياض خلال فترة الراحل الملك عبدالله.

تدرك الرياض أنّ سياسة “المقاعد الخالية” في الملاعب العربيّة، سينجم عنها امتداد وتوسّع إيرانيان متخفّيان تحت عناوين الطائفية السياسية والطائفة المظلومة.

غاب العرب، عواصم ومؤسسات وهياكل إقليمية، عن سوريا، فملأت طهران الفراغ وباتت اليوم اللاعب الأبرز والأساس ضمن الجغرافيا الشاميّة.

وقبل دمشق، اختار معظم العرب الانكفاء عن المشهد اللبناني بتعقيداته ومدخلاته الشائكة ومخرجاته الطائفية والعشائرية والعائليّة، فانخرطت إيران بقوّة السلاح والمال والإعلام، إلى أن باتت اليوم شريكا أصليا -من بين عدّة شركاء- في تشكيل الحكومات وتنصيب الرؤساء.

وقبلهما، وقّع النظام الرسمي العربي على استقالته التامة والمباشرة من الملفّ اليمني، في وقت كانت فيه طهران تبتلع الشمال المتمرّد وتقضم صنعاء وتستعدّ للاستيلاء على باقي المناطق.

احتواء الرياض لبغداد يأتي ضمن إطار الردّ السعودي الشامل على الخطوات الإيرانيّة، ومحاصرة النفوذ الإيراني القائم على دعم الطوائف باستراتيجيات تحريك الحلفاء أو تحييد الخصوم.

احتواء الرياض لبغداد يأتي ضمن إطار الرد السعودي الشامل على الخطوات الإيرانية، ومحاصرة النفوذ الإيراني القائم على دعم الطوائف باستراتيجيات تحريك الحلفاء أو تحييد الخصوم

من الملاحظ أنّ إعادة الحياة إلى الخطّ السياسيّ “الرياض – بغداد” جاء بعد أيامّ قليلة من عودة الرياض بقوّة إلى الملف اللبناني والتقاء الفاعل الرسمي السعودي بفرقاء “14 آذار” منعا لاستفراد طهران بملفّ الحكومة والرئاسة ورئاسة البرلمان برمتها لا سيّما وأنّ لبنان مقبل على الاستحقاق البرلمانيّ في ماي القادم.

وكما في لبنان، تعكف السعوديّة مدعومة بحلفائها في الخليج العربيّ على مناكفة الامتداد الإيرانيّ في اليمن والحيلولة دون سيطرة “الطائفة على ما تبقّى من الدولة”.

اليوم تلعب السعودية في الملعب الإيراني وتوزّع أوراقها السياسية والاستراتيجية ضمن الحديقة الخلفية لطهران سواء في مستوى استراتيجيا المكان أو أنثروبولوجيا الطائفية السياسيّة.

وكما جالت وجيّرت طهران حلفاءها وبيادقها في حدائق الخليج، ابتداء من قطر التي حسمت خيارها واختياراتها حيث المعيّة الإيرانية والضدية الخليجية، مرورا بالبحرين حيث المعارضة ذات الأرجل في المنامة والعقل في طهران وليس انتهاء بسلطنة عمان التي تقيس مواقفها بميزان الديموغرافيا السكانية وليس الاستراتيجيات الإقليمية.

تتحرّك السعودية اليوم في العراق، المجال الاستراتيجي الحيوي للملالي، وما كان لأرض الرشيد أن تصبح حديقة خلفية لإيران لولا أن نام نواطير العرب عن ثعالبهم.

وعلى عكس إيران التي تبحث عن الحلفاء ضمن الطائفة، تفتّش الرياض عن حلفائها ضمن الوطن وتنقّب عن أصدقاء لها صلب تقاطع المصالح، الأمر الذي يفسّر وبوضوح انفتاح السعودية على وجوه سياسية معتبرة في البيت الشيعي على غرار مقتدى الصدر وبدرجة أقلّ عمّار الحكيم.

في الطرف المقابل، تبتغي بغداد من الرياض المزيد من تثبيت وحدة الدولة والسيادة الترابية، واستجماعا عربيا وإسلاميا لدعم مساعي العراق في استرداد سيادته المسلوبة.

صحيح أنّ انفصال كردستان عن العراق قد فشل، وصحيح أيضا أنّ الانفصاليين باتوا أقلية ضمن الفضاء الكردي ومعزولين عن القوى الإقليمية والدوليّة، ولكنّ الصحيح أيضا -وهو ما تخشاه بغداد- أنّ إفشال الانفصال كان خطوة إيرانية وقرارا تركيا بتنفيذ عراقيّ قد يفضي إلى تثبيت أنقرة وطهران في الشمال العراقي، سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

فعوضا عن استرداد الوحدة والسيادة من الانفصاليين تضيع بغداد سيادتها وقرارها من الإقليميين.

هنا، يصبح قرار من يدافع عن الحدّ الأدنى من الهوية العراقيّة والسقف الأقل من السيادة الوطنية تدوير الزوايا الإقليمية واستيعاب الحلفاء واستجماع الجيران على قاعدة “إدارة الخلاف” و”دعم الوحدة في وجه الانفصال” و”تنويع الاتفاقيات”.

زيارات العبادي إلى الرياض والقاهرة وعمّان تأتي في سياق الحيلولة دون ابتلاع إيران لكلّ العراق بعد أن تجاوزت بكلّ المقاييس محدّدات الشراكة والتحالف إلى معايير الحماية والوصاية.

لا تزال الشقة بين العراق والعواصم العربية الكبرى، فيها الكثير من المطبات والمزالق والألغام، انطلاقا من الحشد الشعبيّ ومرورا بغلبة الطائفية على الطوائف وليس انتهاء باستفراد إيران بالمكان والزمان.

هناك مقاومة سياسية في العراق لهذا التوجّه والوجود، من داخل البيت الشيعي ومن خارجه، تفرض على القوى الإقليمية العربية إيجاد البديل، والبديل ليس في طائفية أقلّ غنمائية وأكثر توازنا، بل في دولة مواطنة حقيقيّة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

7