العبادي يدير التوازنات والمالكي يحكم

السبت 2015/04/18

في زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية، عمل حيدر العبادي، رئيس الوزراء العـراقي، على إرضاء مختلف الأطراف المؤثرة في الصراع الدائر في العراق. بانتقاده “عاصفة الحزم” والدور السعودي في اليمن، غازل العبادي إيران وأتباعها الذين انتظموا في ميليشيـات طائفية تزداد نفوذا يوما بعد آخر.

وبتنديده بالظهور العلني لقائد “فيلق القدس” قاسم سليماني في معركة تكريت، ومعارك أخرى، يحاول العبادي طمأنة مخاوف البلد المضيف، أميركا، التي تقدم مختلف أشكال المساعدة العسكرية للحكومة الضعيفة وللجيش العراقي المفتت.

من المـرجح أن تصريحات العبـادي لم تكن نتـاجا لـ“حنكـة” سياسية يبـدو أن رئيس الوزراء الضعيف يفتقدها حتى الآن، وإنما كانت تعبر موضوعيا عن حقيقة دوره في إدارة التوازنات المحلية والدولية، وتنسيق المواقف السياسية والعمليات الحربية بين إيران وميليشياتها في العراق من جهة، والتحالف الدولي وأميركا من جهة أخرى.

تبدو أهمية الدور الأميركي في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية واضحة بالنسبة إلى العبادي، إذ عجزت الميليشيات الطائفية، بقيادة قاسم سليماني والمدعومة بالجيش العراقي، عن حسم معركة تكريت، بسبب رفض أميركا تنفيذ ضربات جوية في ظل تواجد علني لإيران في المعركة.

التواجد العلني لطهران شكل إحراجا شديدا للرئيس الأميركي باراك أوباما الذي كان يدير مفاوضات نووية عصيبة مع إيران، ولم يكن ليتقبل فضيحة من وزن استخدام مقاتلاته الحربية في خدمة قوات عسكرية تقودها إيران.

في هذا السياق جاء انتقاد حيدر العبادي لإبراز دور قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني باعتباره “يسرق جهود القوات العراقية”، كما قال أثناء زيارته لأميركا.

يقر العبادي إذن بأهمية الدور الأميركي من أجل الحفاظ على ما تبقى من “العملية السياسية” التي أنشأها الاحتلال الأميركي بعد غزو العراق في العام 2003، والتي قطفت ثمارها شخصيات وقوى سياسية من أهمها “حزب الدعوة الإسلامية” الذي يعتبر العبادي من أعضائه البارزين. لكنه في المقابل، يقر بضرورة الدور الإيراني، بل ربما بنفوذها الذي استحضره حزبه خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وخصوصا بعد انسحاب قوات الاحتلال الأميركي في العام 2011.

لكن العبادي، الذي اختارته الولايات المتحدة ليعمل على إضعاف النفوذ الإيراني في العراق وتعزيز مشاركة القوى السياسية المعارضة في العملية السياسية، لا يبدو ناجحا حتى الآن في تنفيذ رهانات الولايات المتحدة.

وهو ما يثير أسئلة حول الحاكم الفعلي للعراق، حيث يبدو أن تزايد نفوذ الميليشيات يضعف باستمرار نفوذ الحكومة والجيش ورئيس الوزراء، وربما يدفع بشخصيات أخرى مرتبطة بإيران، وتدير الميليشيات الطائفية حاليا، إلى واجهة الأحداث في أي لحظة.

بعد انفجار الوضع العسكري في العراق وتوسع تنظيم الدولة الإسلامية، نجحت أميركا بسرعة في إبعاد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن رئاسة الوزراء. مع ذلك، لا يعرف تماما مدى بعده عن السلطة حاليا، فهو لم يصبح شخصية سياسية معزولة، بل لا يزال يتمتع بالقوة والنفوذ، فضلا عن موقعه الحزبي كسكرتير عام لحزب الدعوة.

بعد توسع الدولة الإسلامية نجحت أميركا في إبعاد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن رئاسة الوزراء. مع ذلك، لا يعرف تماما مدى بعده عن السلطة حاليا

يحتفظ المالكي بعلاقات وطيدة جدا مع إيران، ويقال إن له دورا كبيرا في تشكيل وإدارة الميليشيات الشيعية التي تتجه لتصبح، شيئا فشيئا، اللاعب الأبرز في العراق بعد تفكك الجيش العراقي الفاسد.

المالكي الذي نشأ كرجل أميركا في العراق، والذي كان يطلق تصريحات كثيرة معادية لنظام بشار الأسد ويتهمه بدعم الإرهاب في العراق في ذلك الحين، بات اليوم رجل إيران في العراق والمدافع الأشرس عن نظام الأسد.

الدور الجديد لنوري المالكي يقوم على قوة الميليشيات التي تسمى بـ“الحشد الشعبي” والتي جرى تأسيسها بفتوى من المرجعية الدينية وبتسليح وتمويل إيرانيين. ومع تأسيس تلك الميليشيات واحتدام المعارك ضد الدولة الإسلامية وضعف الجيش العراقي، صار الشق السياسي من الإستراتيجية الأميركية، والمتعلق بتوسيع المشاركة السياسية في السلطة بعد إبعاد المالكي، في مهب الريح. وهكذا نجحت الضغوط الأميركية في استبعاد نوري المالكي، لكنها فشلت وبصورة ذريعة في إحداث أي تغيـير يذكـر على مستوى المشاركة السياسية.

على العكس تماما، فخلال فترة حكم حيدر العبادي، اشتدت سلطة القوى الطائفية المرتبطة بإيران وتوسع نفوذها وإن لم يكن داخل مؤسسات الدولة وإنما خارجها. وفي هذه الفترة أيضا، ارتكبت أفظع المجازر بحق المناطق التي “حررتها” ميليشيات الحشد الشعبي والجيش العراقي.

بقيت حكومة العبادي ترفض تارة، وتتحايل تارة أخرى، على مشروع إنشاء جسـم عسكري قوي وبتسليح نوعي من رجال العشائر في المناطق السنية من أجل التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية.

لم تقبل الحكومة العراقية، ومن ورائها طبعا الميليشيات الطائفية وإيران، بأكثر من أن يتم إلحاق جزء قليل من رجال العشائر السنية كأفراد في ميليشيات الحشد الشعبي المعروفة بتوجهها الطائفي، والمتهمة بارتكاب مجازر إبادة جماعية في المناطق السنيّة.

اختلفت سياسات حيدر العبادي، بدرجة بسيطة، عن خلفه وذلك ببذل جهود متواضعة لتعزيز الروابط مع القوى السياسية السنية والكردية، غير أنه وبالتوازي مع ذلك كانت إيران تنشئ بالتعاون مع رئيس الوزراء السابق، المستبعد والحاقد، نوري المالكي قوة جديدة لتصبح مسيطرة تماما، وربما تمهد لعودته لاحقا إلى سدة السلطة.

كاتب فلسطيني سوري

9