العبث بعناصر القضية السورية

السبت 2013/10/19

يميل النظام السياسي الأميركي، في ظل قيادة باراك أوباما الثانية، إلى اتباع النهج الذي تشتغل عليه أنظمة الحكم في العالم الثالث، في فترات الأزمة، وذلك عبر الاستغراق في الانتصارات التكتيكية، التي تحققها النجاحات الدبلوماسية الصغيرة، الأمر الذي يشعرها بإحراز تقدم ظاهري في بعض القضايا، لكن لا يعدو ذلك سوى كونه محاولة تشتيت الانتباه عن المهام الأكثر صعوبة.

من نيويورك إلى موسكو إلى جنيف، يصرف المجتمع الدولي طاقته في التفاوض على خطوات تدريجية نحو السلام بدلا من المضي قدما في إستراتيجيات ضرورية لإنهاء الصراع. لكن هذه الإستراتيجية تنطوي على خطر إعادة صياغة القضية السورية وبنائها من جديد، بحيث صارت العناصر الأساسية في هذه القضية حسب أولويتها على الشكل التالي:

العنصر الكيميائي: تم الاتفاق عليه في مندرجات القرار 2118 ويجري تنفيذ الأمر من خلال ورشة عمل متكاملة قانونية وسياسية.

عنصر الإرهاب: وهو عنصر يطفو رويدا- رويدا على سطح الحدث السوري ويتم تجهيز الحيثيات اللازمة من أجل تعويمه وجعله يستحق الاهتمام.

عنصر الأقليات: وقد أخذ العنصر مكانته من الأهمية ووجد متعاطفين كثرا على المستويات الإقليمية والدولية.

العنصر الإقليمي والدولي: يتمثل في تحول الأزمة السورية إلى قضية مفتاحية لأزمات أخرى، ولم يعد ممكنا حل الأزمة بعد أن تشابكت مع الأوضاع الإقليمية والدولية.

أمام زحف هذه العناصر على القضية السورية يغيب العنصر الأساسي فيها وهو قضية مأساة الشعب السوري بين القتل والدمار والنزوح.

ووفق هذه العناصر المستحدثة على الحدث السوري ثمة إجراءات ستبدأ قريبا بالإعلان عن نفسها، أولها إعادة تعريف الحدث برمته، وفي أحسن الأحوال سيصار إلى تعريفه بوصفه حربا أهلية وليست ثورة، وهذا التوصيف هو نقطة التلاقي الوحيدة لاتفاق الأطراف، أو اتفاق الممكن والمسموح. بعد التعريف سينطلق البحث في تعيين الأطراف وتحديد مواقعهم ومسؤولياتهم، والمعروف أن هذه القضية معقدة نظرا للاشتراطات التي يضعها الطرفان الداخليان، والأرجح أنها ستنتهي إلى تركيبة يلحظ منها تمثيل الأطراف الداعمة أكثر لجهة ولائها، ومدى موافقة تلك الأطراف عليها.

يبقى أن أجندة التفاوض وتلك قضية لابد أن تجهز الأطراف الخارجية «ماكينتها» الأساسية عبر التصورات التي ستطرحها للحل، وهنا علينا ألا نفاجأ بتقسيم قضايا التفاوض إلى قضايا راهنة، وقضايا الحل النهائي، حيث سيجري ترحيل أغلب القضايا الإشكالية إلى مرحلة لاحقة، فالعالم المهووس بالانتصارات التكتيكية لا وقت لديه للبحث في العمق. ربما لتبقى المسألة منتجة للتفاؤل وتراكم الانتصارات.

وليس أعقد من أجندة التفاوض سوى مرحلة الدخول بالإجراءات التنفيذية للتفاوض وما يتعلق منها بتشكيل الهياكل التي ستنفذ الحل، وهل ستبقى المؤسسات ذاتها أم سيعاد هدمها وبناؤها من جديد، وما هي القوانين الناظمة لها وطبيعة أيديولوجيتها؟ هذه تفاصيل سوف تستغرق كل واحدة منها فترات طويلة، وسوف تستهلك مزيدا من ضياع عمر السوريين في قلب الأزمة، ولن تطرأ تغيرات مهمة على أوضاع المنكوبين السوريين، الذين قد يتضاعف عددهم، بفارق أن ذلك سيكون تحت إشراف العالم ورعايته وشرعيته.

ولعلّ الإشكالية الأخطر أن القضية السورية وضعت على سكة التفاوض الدولي، ولم تعد قضية تخص شعبها، طالما يحق للجميع أن يشارك في رسم مسار مستقبلها، هذه السكة لن تجلب لسوريا سلاما أو هدوءا طالما هي تقع على خط التساوم الدولي وتحت سيطرته.

ترى أليس بإمكان المجتمع الدولي تغيير حسابات الأسد إلى درجة تغنيه عن الحاجة للتفاوض المديد والشائك على إنهاء حرب الأخير على شعب سوريا؟


كاتب سوري

9