العبقرية تحتاج إلى جسد شاب ومعافى

العبقرية مرتبطة بسنوات الشباب حيث تكون الحيوية في هذه المرحلة من العمر متوقدة وفي أوج عطائها.
الثلاثاء 2019/08/27
غوته وضع تعريفا هاما للعبقرية

"عبقر”، موضع في الجزيرة العربية كان العرب يعتقدون أنه مسْكَنُ الجن، ومأواهم، وإليه ينسبون كلّ عمل عجيب، خارق وجيد…

ومن معاني “العبقري” أن يأتي أحدهم بعمل فيه كمال وإبداع وخلق فنان. وهو أيضا صفة لكلّ ما بُولغَ  في وصفه، وما يفوقه في شيء.

والعباقرة بقطع النظر عن جنسهم، أو ثقافتهم، أو دينهم، نادرون في الشعر، وفي الأدب، وفي الفنون، وفي الفكر، وفي العلوم.

وكان الأديب الألماني يوهان غوته من أشهر من حدد معنى العبقرية في الإبداع الفني والأدبي. فعل ذلك في محاوراته مع إيكرمان في السنوات الأخيرة من حياته، وتحديدا في محاورة الثلاثاء الموافق لـ11 مارس 1828.

وفي بداية المحاورة، يشير إيكرمان إلى أنه ذهب إلى غوته في ظهيرة ذلك اليوم ليشتكي له من كوابيس ظلت تؤرقه وتعذبه على مدى أسابيع طويلة، فكان تعليقه على النحو التالي “هكذا نحن خلقنا. أمزجة مُتَعَكّرة وإشراقات، ذاك هو مصير الإنسان. وقد نكون في حاجة إلى شيطان يأخذنا كل يوم بصلابة وقوة، ويقول لنا ما يتوجب علينا القيام به، ويدفعنا إليه. إلاّ أن الحكمة تهملنا لنظل من دون سند ولا هداية، مُتَلَمّسين طريقنا في العتمة”.

ويضيف غوته قائلا إن نابليون كان رائعا خصوصا في أيام شبابه، إذ أنه كان دائما واضحا، ودقيقا، وممتلكا لحيوية عجيبة تجعله قادرا على إنجاز كل ما يطمح لإنجازه.

بعد ذلك يشرع غوته في تحديد معنى العبقرية قائلا بأنها “قوة الخلق والابتكار التي تتولّدُ منها أعمال خارقة وعجيبة ونادرة الوجود”.

لذلك يمكن القول إن موتزارت كان عبقريا في كل ما أبدع من سيمفونيات ستظل حاضرة في الذاكرة الفنية على مدى أجيال وأجيال.

وكان رافائيل الإيطالي، وآلبرخت دورر الألماني عبقريين أيضا. وكذا الأمر بالنسبة للمصلح الديني مارتين لوثر الذي بعث الروح في اللغة الألمانية لتصبح لغة الشعر، والفلسفة، والعلوم.

وبحسب غوته يمكن للعبقري في الشعر أو في الأدب، أن يبدع  العديد من المؤلفات. لكنه يمكن أن يكون عبقريا أيضا حتى ولو كان مقلا، ليقتصر إنتاجه الشعري أو الأدبي على مؤلف واحد، أو مؤلفين اثنين.

ويرى غوته أن العبقرية مرتبطة بسنوات الشباب حيث تكون الحيوية في هذه المرحلة من العمر متوقدة، وفي أوج عطائها. لذا هو يعتقد أن أفضل عمل له، وهو “آلام فرذر” كتبه وهو لا يزال شابا.

 كما أنه تمكن من أن يبدع أعمالا أدبية في ظرف زمني قصير قد لا يتعدى بضعة أيام أو بضعة أسابيع. وهو هنا يخطئ إلى حد ما.

 صحيح أن القدرة على العمل قد تتقلص مع التقدم في السن، إلاّ أن هناك شعراء وكتابا وفلاسفة وفنانين أثبتوا عبقريتهم في سنوات الكهولة، بل وفي سنوات الشيخوخة أيضا. وغوته نفسه كتب العديد من الأعمال العظيمة مثل “فاوست”، و“الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” بعد أن تجاوز سن الأربعين.

ويربط غوته العبقرية بالصحة الجسدية ويقول إنه حين يقرأ تراجيدياته، يشعر أن شكسبير كتبها وهو يتمتع بصحة جيدة، وبجسد قوي لا يعاني من أية أمراض.

ومرة أخرى يخطئ غوته أيضا. فهناك عباقرة كانوا يعانون من أمراض خطيرة. مع ذلك لم تمنعهم تلك الأمراض من إبداع أعمال عظيمة في مجالات مختلفة.

فقد ظل الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال رهين الفراش الشطر الأكبر من حياته بسبب مرض نادر أصابه في سنوات الطفولة. مع ذلك كتب “أفكاره” التي لا تزال تنير العقول إلى حد هذه الساعة.

14