"العبودية الطوعيّة" تتجسّد على خشبة فرنسية

في رأي دو لابويسي لا نتوصّل إلى القضاء على الطغيان بمقاومته، وإنما بفهم آلياته حتى لا ننحني له.
الاثنين 2020/02/10
أن تكون خاضعا، فهذا خيارك

ما الذي يدفع شعبا بأسره إلى الخضوع؟ وماذا يفعل لكي يسترد حريته؟ ذلك هو موضوع مسرحية “العبودية الطوعيّة” التي استوحاها المخرج ستيفان فيرّو من كتيب لإتيان دو لابويسي بالعنوان نفسه، وعُرضت  مؤخرا بـ”تياتر أستوديو” في ضاحية ألفورفيل الباريسية.

كيف يمكن للعبودية أن تكون طوعيّة؟ كيف يمكن أن تكون لنا رغبة في الخضوع؟ هل يعقل أن يطالب المرء بأن توثّق رجلاه بالسلاسل؟ قد يبدو الأمر غريبا ولكن ذلك هو الواقع، وذلك ما لاحظه فتى لم يتجاوز السابعة من عمره، هو الفرنسي إتيان دو لابويسي (1530 – 1563) الذي صار، منذ وضعِه كتيّبا بعنوان “مقالة العبودية الطوعيّة”، اسما لامعا سبق فلاسفة الأنوار في تعرية السلطة والاستبداد، والتنديد بميل الناس إلى الاستعباد عن طواعيّة، مثلما صار مصنّفه مرجعا في العلوم السياسية والفكرية، يتداوله المفكّرون من مونتاني إلى ميشيل أونفري.

تلك المقالة التي ألفها دو لابويسي سنة 1549 لم تفقد راهنيتها، فما زال الملايين من البشر، خاضعين، راضين ببؤسهم، يحْنون رؤوسهم لنير بغيض، ليس لكونهم مرغَمين دائما بقوة قاهرة، بل لأنهم مفتونون ومسحورون باسم شخص واحد يفترض ألّا يَخشوه لأنه وحيد، وألّا يحبّوه لأنه قاسٍ جائر. وقد صاغها صاحبها كدليل استعمال لكي لا ننخدع بالسلطة، ففي رأيه أننا لا نتوصّل إلى القضاء على الطغيان بمقاومته، وإنما بفهم آلياته حتى لا ننحني له، أو نرغب فيه.

والحق أن هذا النص يتجاوز إطار القراءة السياسية التقليدية، وما الانبهار به إلّا لأنه يضع أسُسَ دراسةِ علاقات الهيمنة والخضوع ضمن العلاقات الحميمة، التي يلتقي فيها الجميع. فالطاغية ليس صنفا سياسيا فحسب، وإنما هو أيضا صنف ذهني وحتى ميتافيزيقي. وعلاقة الهيمنة والخضوع لا تنعقد فقط في مجتمع قائم، بل في اللاوعي أيضا، والكاتب يصوّر الفرد كباحث عن طاغية يُخضعه ويُذلّه، عن خوف حينا، وعن مجاملة وطمع حينا آخر، وعن خسّة ودناءة ومذلة في أغلب الأحيان.

كان لابويسي سبّاقا إلى مناقشة مبادئ الحرية والمساواة والأخوّة، والطريف هذا الطباق المقلوب الذي اهتدى إليه، حيث تظهر المفارقة منذ العنوان، تقابل نقيضين: العبودية التي تمارس على الفرد المُستضعف، والطوعية التي يَنشُدها هذا المُستضعف والتي تشهد أنه تربّى عليها منذ القدم.

ولما كان أسلوبه أقرب إلى الخُطب كما عرفها الإغريق والرومان مع بعض مفكريهم مثل شيشرون، فقد استطاع الممثل فرانسوا كلافيي أن ينقله بنفس النبرة، حتى لكأن لابويسي ماثل أمامنا يلقي علينا خطبته، ويتوقف بين الحين والحين، كي يتفكر ويتأمل، أو يقلب النظر مصغيا لأصوات قادمة من بعيد، أو يشارك المتفرجين ضحكا تثيره مواقف ساخرة لا يعدمها الكتاب.

ويذكُر ستيفان فيرّو أنه بدأ يقدّم مشروعه/ المسرحية في المعاهد في أواخر العام 2010، ويشرح للمراهقين فقرات من الكتاب، وعلاقة مضمونها مع حركات المناهضة والاحتجاج التي ظهرت هنا وهناك في أوروبا، كسيريزا في اليونان، وبوديموس في إسبانيا، وقيام الليل في فرنسا.. حين حملت إليه الأخبار هروب الرئيس التونسي بن علي، واندلاع ثورات الربيع العربي، وهبوب رياح الحرية في المغرب والمشرق، فكانت فرصة، كي يعود إلى النص الأصلي ويخرجه إخراجا يناسب المرحلة.

ووجد في فرانسوا كلافيي خير ناطق بلسان لابويسي، فهو فنان قدير، ناعم وصارم في الوقت ذاته، لا يكتفي باستحضار النص أو قراءة بعض فصوله، بل يجعله طوع كل مستمع، وكأنه يعيش كتابته لحظتها، أو يشهد فكرا بصدد الانبثاق، وينصت لكلام مفكر إنساني النزعة بزغ في عصر النهضة الأوروبية، وطرح أسئلة جارحة عن التسامح، واحترام الآخر، واستعمال الحرية، واستبق بأكثر من قرنين العقيدة الثورية للجمهورية وحقوق الإنسان.

على خشبة خالية سُلطت عليها إضاءة خافتة، يقف فرانسوا كلافيي في معطفه الطويل وبجانبه جراب من الجلد يحوي كتبا يتصفحها ويفرز منها كتيب لابويسي، الذي يبدو أكبر حجما من نسخته الأصلية، فيقرأ منه حينا، وهو جاث على ركبة، أو يستظهر بعض فقراته متنقلا على الخشبة تنقل خطيب على منبر.

تقول سيفرين أوفري التي ترجمت الكتاب إلى الفرنسية المعاصرة “لا نستخلص من “مقالة العبودية الطوعيّة” مجرد درس سياسي، بل نستخلص منها أيضا درسا أخلاقيا، ودعوة إلى أن نطرد عنا صورة الطاغية المهدد، والجائر، والمحبوب. فالمقالة لا تقدّم حلا سحريا للمشاكل التي يطرحها، بل تحذّر ممّا يمكن أن يصيب الفرد والمجتمع إذا ما وضع بنفسه غلّ الطغيان على رقبته”.

والغريب أن نفس الأسئلة يمكن أن تطرح اليوم في شتى أنحاء العالم: لماذا تنساق الشعوب لسرديات حكامها وتستسلم للسلبية، هذا الشكل الملطَّف للخنوع؟ ولماذا تؤلّه من يهضم حقوقها ويكمّم أفواهها ويجوّع بطونها؟ وكيف تسكت عن فساده واستئثاره بخيرات البلاد؟  كلّها أسئلة تهم السياسة والمواطن، لا تزال تجد صداها في عصرنا الحاضر، حيثما قلّبنا النظر.

يقول لابويسي “إنّي لأعجب كيف يحتمل أحيانا ذلك القدر الكبير من البشر، وذلك القدر الكبير من القرى، وذلك القدر الكبير من المدن، وذلك القدر الكبير من الأمم طاغية واحدا ليس له من قوّة سوى تلك التي يمنحونه إيّاها”.

16