العبودية بين قديس الأطفال وداعش

الخميس 2014/11/20

بدأ الجدل منذ سنتين فقط، رغم أنها ممارسة تقليدية تعود إلى مئات السنين، واحتفالية وطنية من التراث. لكن الهولنديين اكتشفوا منذ سنتين فقط، أنهم قد ينعتون بالعنصريين جراء كرنفال القديس كلاوس، وهو كرنفال موجه للطفل، يبدأ في الحادي عشر من نوفمبر من كل عام، ويستمر حتى أعياد الميلاد ورأس السنة.

تقول الأسطورة أن قديسا يدعى كلاوس، وهو رجل وقور ذو لحية طويلة بيضاء، ورداء أحمر يصل إلى قدميه، يأتي كل عام ممتط حصانه من تركيا، مارا بأسبانيا، حيث يجلب معه عددا من الخدم السود ليساعدوه في توزيع الهدايا على أطفال هولندا.

وفي كل عام يدخل القديس إلى البلد من مدينة مختلفة، إما برا أو بحرا أو جوا، في احتفالية ضخمة تصرف عليها البلديات مئات الآلاف من اليوروهات، ويعد لها على مدار السنة، حيث يستقبله كل من في المدينة من رجال ونساء وأطفال ومسؤولين، بعدها يلف على باقي المدن موزعا هداياه، والخدم يتقافزون، ويتنططون من حوله، وعلى جانبيه، وفوق الأسطح، ببشرتهم السوداء، وملابسهم الزاهية ويرمون الجمع بالحلوى والكعك.

الكرنفال تقليد عريق، ومناسبة مبهجة للكبير والصغير، تردد فيه الأغاني والأهازيج التي تتمنى السعادة والحب للجميع، ويحظى فيه الطفل على مدى أسابيع بالكثير من الاهتمام والرعاية والهدايا من والديه، والمقربين منه.

لكن قنبلة انفجرت في الكرنفال منذ عامين، عندما اعترض مجموعة من السوريناميين المقيمين بهولندا (السورينام مستعمرة هولندية سابقة)، على الخدم المرافقين للقديس، واعتبروا ذلك عنصرية واضحة وتكريسا للاستعباد، ولعقلية المستعمر، ثم التحق بهم العرب، مفترضين أن الخدم الذين جلبهم القديس من أسبانيا (الأندلس سابقا) قد يكونون من عرب الأندلس، ثم تتالت الأصوات من كل جانب، وانفجر جدل وصل إلى المجالس البلدية، وأروقة البرلمان والأحزاب السياسية، بل وحتى الأمم المتحدة، التي أرسلت العام الماضي مندوبها ليواكب الاحتفالية، ويعد تقريرا عنها. ولم تفلح أي تبريرات في إيقاف الجدل، حتى تلك التي أرجعت لون المرافقين الأسود إلى دخولهم من ثقب المدخنة الموجود في سطح البيوت إلى داخل المنازل، لوضع الهدايا ليلا في أحذية الأطفال، وأن اللون الأسود هو نتيجة الدخان والغبار العالق بجدران المدخنة، ليس أكثر!

لم تصمد الأسطورة القديمة، أمام التشريعات والقوانين الحديثة التي تحرم الرق، وتكرس حقوق الإنسان ومبدأ المساواة بين البشر على اختلاف ألوانهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بذهنية الطفل، وخرج الجدل عن أي إمكانية للتطويق وتوحيد الصفوف، بين من يرى أن من حق الدول أن يكون لها تراثها الخاص، تحافظ عليه وتحميه كهوية وموروث ثقافي ثمين، ومن يرى أن المعتقدات والممارسات التقليدية مطالبة بأن تتكيف مع مستلزمات المرحلة الإنسانية التي تمر بها البشرية. في النهاية، ترك الأمر للبلديات لتقرر بنفسها، وترى، كل واحدة على حدة، إذا ما كانت ستلغي العبيد المرافقين للقديس أو تتركهم، وبالفعل، عمدت، بعض البلديات هذا العام إلى تلوين وجوه المرافقين بألوان مختلفة، وليس الأسود فقط كما جرت العادة.

يحدث هذا، في نفس الوقت، وعلى بعد بضعة آلاف من الأمتار فقط، من دولة تطلق على نفسها اسم الدولة الإسلامية تفاخر بالعودة إلى زمن العبودية، وسبي النساء، وتبشر بالرق والنخاسة، وترسل الفيديوهات والصور إلى الكبير والصغير، تهنئه بالمكسب الإنساني الجديد.

21