العبوها على المكشوف

الخميس 2014/03/13

شَبه الكثيرون السياسة الدّولية بلعبة الشطرنج. وهذا التشبيه ليس دقيقا في كل الأحوال؛ لأنّ الشطرنج لعبة مكشوفة لا أحد فيها يخفي شيئا عن الآخرين، بخلاف ما تفعله كثير من الدّول اليوم إذ تحتكر أوراقا سرية لتستعملها في الأوقات التي تراها مناسبة. وإن كان ولا بد من تشبيه فالأنسب أن نقول: ما أشبه هذا الأسلوب بلعبة البوكر، حيث لكل لاعب أوراق مخبأة وأوراق مستعملة. وكما الأمر في لعبة البوكر، ففي غياب أوراق رابحة يبقى أمام اللاّعب خيار آخر هو القدرة على التّمويه.

والسؤال الآن، هل لا يزال بوسع اللاّعبين اليوم التعويل على إخفاء أوراقهم في وقت أصبح فيه العالم معرّضاً للانكشاف جرّاء ثورة تقنيات التواصل والمعرفة؟

في واقع الحال، لم يعد للمعلومات السرية أيّ مكان آمن وبمنأى عن “الفضوليين”، لم يعد للتقية والكتمان من معنى في عالم يميل من تلقاء نفسه إلى البوح والانكشاف، لا وجود لأي نظام معلوماتي غير قابل للاختراق والفضح والتّسريب. وما تسريبات ويكيليكس الشهيرة سوى مؤشر دال على أن الملفات المختومة بخاتم “سري للغاية” ستصبح في القريب العاجل جزءا من الماضي.

ومثلا، فإنّ تنصّت أميركا على حلفائها لم يدم طويلا قبل أن ينكشف الأمر، وعلاقة الرّئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بعشيقته لم تمكث طويلا قبل أن يفتضح الأمر، والفساد المالي للرّئيس التّركي أردوغان وابنه بلال لم يستغرق طويلا قبل أن يقع تحت أضواء الفضيحة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العديد من التسريبات المسجلة لقادة وزعماء، تكشف نواياهم الخفية وارتباطاتهم السرية وتؤجج لهيب الاحتجاجات الشعبية. وفي كل الأحوال ليس هناك أمر بمنأى عن الكشف والتسريب؛ فلقد جعلتنا تقنيات التواصل الحديثة نبدو وكأننا نعيش في بيوت من زجاج.

المزية الوحيدة للمحافظين الجدد أنّهم كانوا يبوحون بأوراقهم كاملة ويعتبرون ذلك البوح شرطا “أخلاقيا” لممارسة السياسة. لقد وضعوا كامل أهدافهم في شكل وثيقة من مئات الصفحات نشروها كاملة قبل أن يدخلوا طور الإنجاز، وتتضمن الوثيقة بوحا يكشفه العنوان: مشروع القرن الأميركي الجديد.

نعم، لقد تهاوى مشروع المحافظين الجدد في الأخير، لكن هذا كان بسبب أخطائهم ومغامراتهم غير المحسوبة، ولم يكن بسبب وضوحهم في كشف أوراقهم. وقد لاحظنا أيضا كيف أنهم كثيرا ما نصحوا صديقتهم المدللة إسرائيل ألاّ تقبل بأية علاقة سرية أو تطبيع سري مع أي بلد عربي، أو على الأقل أن تفضح أمام العالم كل علاقاتها السرية حتى يتحمل كل واحد مسؤولياته. وكان هذا تحذيرا قويا ولا يزال لأصحاب مذهب التقية وأنصار شريعة الكتمان، وما أكثرهم.

إن قطر التي تقيم علاقات استخباراتية واقتصادية عميقة مع تل أبيب وتعتبر ذلك ورقة سرية، وتقيم علاقات عسكرية راسخة مع واشنطن وتعتبر ذلك ورقة غير مكشوفة كليا، وتقيم علاقات شبه سرية مع القاعدة ابتغاء إعادة تدويرها لغايات مغايرة، وقد وفّرت منبر الجزيرة لرسائل أسامة بن لادن إلى العالم، سواء أكانت رسائل واضحة أم مشفرة، وفتحت مكتبا لطالبان في الدوحة، وتعتبر كل ذلك بمثابة أوراق غير ملعوبة بالكامل، وبعد ذلك تجعل من نفسها الرّاعي الحصري للإخوان المسلمين وتعتبر ذلك بمثابة ورقة ملعوبة، فإنها بذلك تعاني من جشع احتكار كل الأوراق حتى تلك الأشدّ تضاربا وتباعدا وتبعثرا، ما يهدد القدرة على ترتيب الأوراق وكذا القدرة على استعمالها، ومن ثم فقد البوصلة وحرق الأوراق ورقة ورقة. ولربما هذا ما يحدث الآن.

مشكلة البعض أنهم يريدون الاستمرار في لعبة البوكر في وضعية أصبح فيها الجميع يرى أوراق الجميع. وهذا غير ممكن.

7