العثمانية الجديدة.. أولوية الاعتذار عن مجازر الماضي

الدولة العثمانية لم تكن سوى إمبراطورية قومية وظفت الدين في السيطرة على البلدان العربية والإسلامية وفرضت هيمنتها على الشعوب وأردوغان ليس منقذا من السماء ولكنه سلطان عثماني في ثوب جديد.
الأربعاء 2020/06/17
حالة انفصام تاريخي

ينظر الإسلاميون بحماس إلى تنامي النفوذ التركي؛ العسكري المباشر أو الناعم الذي يأخذ أشكالا متعددة، على أنه استعادة للإمبراطورية العثمانية التي يروّجون لها وكأنها فتح إسلامي. ومن الواضح أن هؤلاء يعيشون حالة انفصام تاريخي، وينظرون إلى أي قوة تركب الدين على أنها قوة إلهية ليكتشفوا في الأخير أنها ضحكت عليهم مثلما حصل مع ثورة الخميني في 1979.

ولم يكن الدين سوى سلّم للحكم، حصل في الماضي مع الخميني، وقبله في تجارب كثيرة كان أبرزها حكم آل عثمان الذي تحول إلى إمبراطورية امتدت لأكثر من ثلاثة قرون. وما لا يفهمه الإسلاميون أن الهويات المحلية القومية تعمل في كل مرة على استعادة قواها وبناء الدولة التي تعبر عنها وتحقق أهدافها كقومية أو أمة، وهي تتوسل في سبيل ذلك بأشكال مختلفة، وطالما أن إيران أو تركيا تتمركزان في الشرق، فإن أقرب وسيلة وأكثرها تأثيرا هي الدين، فقد صار بالنسبة إليهما بمثابة “ماعون صنعة”، أي وسيلة روتينية تستثمرانها في تعبئة الناس الذين تحكمهم عقدة العودة إلى الماضي كشرط لأي نهوض.

لم يكن الدين في حكم آل عثمان سوى أيديولوجية دعائية تمكنوا من خلالها من ترويض المناطق المسلمة التي سيطروا عليها في البداية قبل أن يكتشف الناس أن خطاب “الفتح الإسلامي” ليس سوى واجهة تتولى من خلالها قبائل تركية غزو العالم العربي والإسلامي.. خاصة أن لا معنى لـ”فتح” في مناطق هي أصلا مسلمة واستنجد بعضها بالأتراك لطرد غزاة آخرين، فخَلَف استعمار جديد استعمارا قديما، وإن كان قد دخل في شكل ناعم وتحت ستار “الجهاد”.

ربما كان المسلمون في القرن السادس عشر أو السابع عشر مستبشرين بالنجدة التركية ويسبغون عليها صفات الجهاد والنصرة، لكن أحفادهم في القرن العشرين اضطروا للتحالف مع الاستعمار الجديد لطرد العثمانيين

الجدل القائم اليوم بشأن هوية الإمبراطورية العثمانية هو مقدمة لرفع القداسة عن تاريخها، والنظر إليها من زاوية عقلانية، خاصة مع توفر الحقائق بسهولة أمام الناس ليقوموا بالمقارنة بين حكم الأتراك وبين الاستعمار الأوروبي.. ولا شك أن الفرصة مواتية الآن أمام العرب للانخراط في الموجة العالمية التي تطالب بفتح ملفات الاستعمار القديم، وتفكيكها وكشف تفاصيل الظلم والاستعباد فيها، والمطالبة بالاعتذار والتعويض.

لا تتحرر الأمم تماما دون أن تنظر إلى تاريخها بعقلانية وتستعيد حقوقها ولو رمزيا من البلدان التي احتلتها، وهذا أمر مهم لاعتبارات منها أن الحق في الاعتذار والتعويض سيعيد بناء العلاقات بين الدول على قاعدة المساواة والتكافؤ، ويردع الدول المستعمرة عن العودة إلى ماضيها، بدل تشجيعها على ذلك مثلما يفعل الإسلاميون الآن في العلاقة مع تركيا.

خلال الأسابيع الأخيرة، قامت موجة كبيرة من الاحتجاجات ضد رموز العنصرية من شخصيات تاريخية في الغرب ارتبطت بإهانة السود وإذلالهم، في حركة كان الهدف منها تحرير الحاضر من أخطاء الماضي، وقد سرى تأثير هذه الموجة عربيا من خلال مبادرة العاصمة السعودية الرياض إلى نزع اسم السلطان العثماني سليمان القانوني من أحد شوارع المدينة، وهي خطوة قد تتلوها خطوات في مسار تطهير التاريخ من التزييف.

إن بحثا يسيرا في كتب التاريخ سيجعل الذين يقدسون حكم الأتراك من العرب أمام حقائق صادمة خاصة ما تعلق بالمجازر التي اقترفها الأتراك في بلدان مثل سوريا وليبيا وتونس ومصر، وهي مجازر هدفها إذلال شعوب المنطقة وكسر مقاومتها، تماما مثلما فعل الاستعمار الأوروبي في المنطقة.

وفي كل دولة عربية تحتفظ الشعوب بأسماء المجازر وتواريخها خلال حكم السلاطين العثمانيين، مثل مجازر حلب، ودمشق، والقاهرة، وسفر برلك (المدينة المنورة)، وجدة، وغيرها كثير.

ووجوه التشابه كثيرة بين الاستعمارين، ففضلا عن المجازر الجماعية، وتصفية المقاومين للوجود العثماني، فقد عمل الأتراك على استنزاف ثروات الدول التي استعمروها وتحويل عائداتها إلى بلادهم، واستثمارها في الحروب. كما أثقلوا شعوب المنطقة بالجباية والضرائب، وزجوا بأبنائها في الحروب التي كانوا يقومون بها لتوسيع مناطق نفوذهم.

وفي سياق المقارنات، فقد فسح العثمانيون الطريق أمام العائلات التركية التي جاءت مع الغزو للسيطرة على الأراضي الخصبة، تماما مثلما فعل الاستعمار الأوروبي الذي سلموه تلك المناطق في اتفاقيات مذلة بعد أن راكموا عليها الديون ورهنوها لدول مثل فرنسا وإيطاليا.

وبالنتيجة، فإن الوجود العثماني الواسع في المنطقة العربية كان يحمل كل مقومات الاستعمار. والمفارق أن الاستعمار الأوروبي استوحى من سلفه العثماني أساليب الإذلال والهيمنة، ما يجعل الدعوة التي بدأت تنتشر في المناطق العربية، التي احتلها، إلى معاملته معاملة الاستعمار ورفع قضايا دولية على تركيا، أمرا مشروعا تماما مثلما ترفع دعوات ضد دول غربية كانت استعمرت مناطق في أفريقيا وآسيا.

لم يغادر الإسلاميون بعد مربع “القابلية للاستعمار”، وهي مقولة للمفكر الجزائري مالك بن نبي الذي يتبنى أفكاره الكثير من الإسلاميين، لكنهم الآن يسيرون عكسها ويفتحون الباب أمام تركيا لإعادة استعمارهم بنفس الشروط التاريخية القديمة. وفيما يتوهم الكثيرون أنها تتدخل في سوريا أو ليبيا انتصارا لفريق تسيطر عليه مجموعات إسلامية، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يضفي على نفسه لبوس حماية المسلمين، يعيد ما فعله السلاطين العثمانيون من فترة سليمان القانوني وما بعده، أي المسارعة للتدخل ووضع لبنات قوية لبقاء تركي بعيد المدى من خلال اتفاقيات مع حكومة ضعيفة كالتي في طرابلس، أو اتفاقيات مع روسيا لضمان نفوذ دائم في سوريا.

الجدل القائم اليوم بشأن هوية الإمبراطورية العثمانية هو مقدمة لرفع القداسة عن تاريخها، والنظر إليها من زاوية عقلانية، خاصة مع توفر الحقائق بسهولة أمام الناس ليقوموا بالمقارنة بين حكم الأتراك وبين الاستعمار الأوروبي

أول ما خططت له تركيا في ليبيا، هو الحصول على اتفاقيات غير متكافئة مع حكومة فايز السراج تسمح لها بالتحرك في المناطق البحرية الليبية بحرّية، وتثبيت وجود دائم لها في المتوسط، والتنقيب عن النفط والغاز، ثم بناء قواعد دائمة في الوطية ومصراتة.

ربما كان المسلمون في القرن السادس عشر أو السابع عشر مستبشرين بالنجدة التركية ويسبغون عليها صفات الجهاد والنصرة، لكن أحفادهم في القرن العشرين اضطروا للتحالف مع الاستعمار الجديد لطرد العثمانيين الذين استوطنوا المنطقة لعقود طويلة، وفرضوا عليها التخلف بكل مستوياته. والأمر نفسه يتكرر الآن، حيث يلجأ الإسلاميون إلى تركيا على أمل أن تمكنهم من نواة للحكم في ليبيا، لكنها تنظر إلى الأمر أبعد من ذلك وتعيد إنتاج نفس المأساة.

لم تكن الدولة العثمانية سوى إمبراطورية قومية وظفت الدين في السيطرة على البلدان العربية والإسلامية وفرضت هيمنتها على الشعوب، وأردوغان ليس منقذا من السماء، ولكنه سلطان عثماني في ثوب جديد يريد استثمار جهل الإسلاميين بالتاريخ والحقائق ليعبّد الطريق أمام هيمنة جديدة لأمته التركية في المنطقة في سياق الصراع الدولي على تقاسم خيرات العرب كأمة مريضة.

وسيعيد دفاع الإسلاميين عن التمدد العسكري التركي في شمال أفريقيا دورة التاريخ إلى القرن السادس عشر ويعيد العرب إلى مرحلة الاستعمار التي غادروها بعد نضال طويل في القرن العشرين. وعليهم أن يفهموا أن تغيير المعادلة لفائدتهم لا يتم إلا من خلال بناء نماذج عربية مستقلة بذاتها.

9