"العثمانية الجديدة" تطيح بالأوهام الإقليمية لأردوغان

الثلاثاء 2014/03/25
الغضب الشعبي من أداء حكومة الإسلاميين في تركيا يتصاعد

أنقرة - يسعى رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة الإسلامية في تركيا في إطار تعبئة سياسية وإعلامية يقوم بها مؤخرا، إلى صرف النظر عن الانتقادات الشرسة التي طالته وحكومته، بعد الفضيحة المدوية التي عصفت بأركانها وتسببت في استقالة 3 من وزرائه المتورطين فيها.

يعتبر الكشف عن فضيحة الفساد مجرد تحصيل حاصل لمسلسل الإخفاق السياسي الذي بات يرافق أردوغان مؤخرا سواء أكان على الصعيد الداخلي أم الخارجي، وقد كان النقطة التي أفاضت سيل الغضب الشعبي المتصاعد تجاه السياسة الأردوغانية.


أخطاء أردوغان


يقول مراقبون أن تواصل أخطاء أردوغان قبل الانتخابات التي من المتوقع أن تشهد منافسات حامية، سترسي نتائج مصيرية للحزب الأسلامي الحاكم منذ 11 عاما، حيث أثار حجب موقع (تويتر) في تركيا غضبا شعبيا وتنديدا دوليا وتسبب في خلاف بين رئيس الوزراء والرئيس عبدالله غول، الذي سبق أن اتخذ مواقف مختلفة عن مواقف أردوغان، بعد معارضته للتهديدات التي أطلقها رئيس الحكومة في وقت سابق عندما هدد بالاقتصاص من موقعي (يوتيوب) و(فيسبوك)، وهو الذي يعمل جاهدا على مواجهة فضيحة فساد أذكتها وسائل التواصل الاجتماعي التي تزخر بأدلة مزعومة على ارتكاب الحكومة مخالفات.

وكان حزب العدالة والتنمية الحاكم قد شدد القيود على الإنترنت ومنح الحكومة مزيدا من النفوذ على المحاكم ونقل آلافا من ضباط الشرطة ومئات من ممثلي الادعاء والقضاة في الوقت الذي يواجه فيه فضيحة فساد وصفها أردوغان بأنها مؤامرة من تدبير خصومه السياسيين للإطاحة به، وذلك في إشارة إلى خصمه السياسي فتح الله كولن المقيم حاليا في الولايات المتحدة الأميركية.

ولا يزال أردوغان يعمل على تبرئة وزراء حزبه، محاولا في نفس الوقت التخلص من نفوذ أنصار كولن المنتشرين في العديد من المؤسسات المهمة في الدولة كالجيش والشرطة والقضاة، حيث يعتقد أن لهم دورا في كشف هذه الاتصلات التي وصفها بالمفبركة والمزيفة.

وقد كان هذا قبل الكشف عن تسجيل صوتي جديد لمكالمة هاتفية بين أردوغان ونجله يطالب فيه الأخير والده بشن حملة ضد كبار المسؤولين التابعين للداعية الإسلامي المعارض فتح الله كولن، واعتقالهم، بدعوى عدم كفاية حملة التصفيات ضد القادة الأمنيين والقضاة الذين كشفوا فضيحة الفساد.


صفعات سياسية


أمام هذه الصفعات السياسية التي يتلقاها أردوغان الواحدة تلو الأخرى، يرى مراقبون أنه لا يوجد طريق للخروج الآمن والسلمي من فضيحة أردوغان السياسية، ولكنه الآن يقاتل لمنع ذلك، مهما كان الثمن على المدى الطويل، ويبدو أن تركيا ستعاني في نهاية المطاف جراء طموحات رئيس الوزراء السياسية في فوزه المشكوك فيه في الانتخابات القادمة التي ستشهدها تركيا.

رجب طيب أردوغان: سنجتث "تويتر" من جذوره ولا أهتم بما يقوله المجتمع الدولي

و اعتبر هؤلاء أنه حتى لو حاول أردوغان كسب تأييد شعبي باللعب على أوتار الأتراك العاطفية وحديثه المكرر عن الأحداث في غزة وسوريا فإن ذلك لن يجدي نفعا، في وقت تزايدت فيه عزلة أنقرة الإقليمية وإخفاقها في لعب دور القوة الإقليمية، خاصة بعد مساندتها للإخوان المسلمين وانتقادها للمؤسسة العسكرية بعد عزل الإخوان رغم جرائمهم في حق الشعب المصري.

في هذا الشأن ذكرت صحيفة “توداي زمان” التركية مؤخرا أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد أولى اهتماما كبيرا بفلسطين ومصر وسوريا في سياسته الخارجية في السنوات الأخيرة.

وأضافت الصحيفة على موقعها الإلكتروني أنه رغم التأكيد على القضية الفلسطينية والأزمة الإنسانية في غزة، لم يعد رئيس الوزراء يشير مطلقا الآن إلى هذه القضية رغم وضع الفلسطينيين الذي يزداد سوءا. وتابعت أنه بالمثل لا يدلي أردوغان بأي تصريحات عن جماعة الإخوان المسلمين وعن الإجراءات التي تتخذها الحكومة المصرية ضد أعضاء الجماعة، وقد أشارت الصحيفة إلى أن هذا أمر غير معتاد تماما في سياق نهجه الخطابي السابق لأن هناك مضايقات متزايدة ضد أعضاء الجماعة في مصر والسعودية حيث تم حاليا تصنيف الجماعة من الناحية القانونية على أنها منظمة إرهابية.


أوراق محروقة


وقد كانت غزة واحدة من الأساليب التي استخدمها أردوغان لتلميع صورته في عيون الشعب التركي واجتذاب الناخبين وأصبح أردوغان آنذاك واحدا من الزعماء الأكثر شعبية في العالم العربي عندما تحدى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في عام 2009. كما لم يمنع السفينة “مافي مرمرة” من الإبحار إلى المنطقة لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، مما أسفر عن أزمة دبلوماسية شديدة بين تركيا وإسرائيل بسبب قتل القوات الإسرائيلية التي هاجمت السفينة ثمانية مواطنين أتراك ومواطنا أميركيا.

ولفتت الصحيفة إلى أن هناك تزايدا في النفور تجاه تركيا في الشرق الأوسط بعد تصريحات أدلى بها أردوغان وصفتها الحكومة المصرية بأنها تدخل في الشؤون الداخلية المصرية وقررت خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع تركيا، كاشفة عن وجود مخاوف من أن التوتر بين تركيا ومصر ربما يؤثر على علاقات تركيا مع الدول الخليجية.

و يبدو أن ورقة أردوغان السورية قد أحرقت وهي التي لم تقدم، من بدء الأزمة السورية على غرار استضافتها للاجئين سوريين، شيئا، بل كانت تركيا تغض البصر عن المقاتلين المتشددين الذين يدخلون سوريا من أراضيها. عبر شبكة منظمة تساعد في نقل المقاتلين المتشددين والمال إلى سوريا عبر تركيا، وهو ما جعلها محط انتقاد دولي حتى من الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبرها تركيا حليفا لها.

ويقول المراقبون إن أردوغان بات أسيرا لفشل سياسته الإقليمية، فمن سياسته تجاه سوريا إلى مصر والعراق بعد تدخله في شؤونه الداخلية، باتت سياسته رمزا للفشل والسلبية. ويعود هذا الفشل، حسب هؤلاء، إلى إصراره على اعتماد العثمانية الجديدة في السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن جهة ثانية عمق من البعد الطائفي في المنطقة. و لكن، وفي جميع الأحوال، لا يمكن النظر إلى فضيحة الفساد وتداعياتها دون الفشل الإقليمي الذي يعتبر الوجه الآخر والمكمل لسياسة أردوغان التي وضعت تركيا في مأزق كبير.

6