العثمانيون وضعوا هيكلا تعليميا متقدما ولم يتحملوا قلما أجنبيا

الاثنين 2015/01/19
السلطان كان يمنح اهتماما خاصة للمعلمين

اسطنبول (تركيا)- ارتبط التعليم في الدولة العثمانية بالدرجة الأولى، كما هو الحال في جميع الدول الإسلامية، بالمدارس الدينية، التي أقيمت بادئ الأمر في المساجد أو ملحقة بها (الكتاتيب)، وبمرور الزمن أنشئت للتدريس مبان مستقلة.

ويرجع تاريخ إنشاء أول مدرسة عثمانية مستقلة إلى سنة 1331م عندما تأسست مدرسة في مدينة إزنيق قرب بورصة العاصمة القديمة للعثمانيين. وقد أنشئت المدارس العثمانية بهدف تخريج عاملين في المؤسسات القضائية والدينية كالقضاة والمدرسين والمفتين، وكان المستوى التعليمي في هذه المدارس عاليا جدا لما تمتع به مدرسوها من كفاءة عالية في العلوم الدينية، وإلى جانبها كان يتم تدريس العديد من المواد في ذلك الوقت كالفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك والهندسة والتاريخ.

شهدت الدولة العثمانية مدارس أخرى غير دينية منها مدارس السراي التي أنشئت لتعليم أولاد العائلة العثمانية، وإعداد موظفين للعمل في السراي، والمدارس العسكرية لإعداد ضباط عسكريين وموظفين لدوائر الدولة، ومدارس الموظفين التي أنشئت لإعداد موظفين من غير الأتراك وعلى وجه الخصوص من الأسرى والمماليك للعمل في دوائر الدولة، وأخيرا المدارس الأهلية ومنها مدراس الصبيان.

ويقول الكاتب السعودي محمد موسى القريني إن السلطان عبدالحميد الثاني (1876-1909م) “وجه اهتماماته إلى الولايات الإسلامية، وخاصة العربية منها، وذلك عشية تسلمه عرش الدولة محاولا بذلك تحسين أوضاع دولته السياسية والاقتصادية، وتعويض الخسائر التي واجهتها في البلقان ومصر، حتى أن المؤرخ المعروف أحمد جودة عبَّر عن ذلك قائلا: إن تعويض خسائر الدولة من الأراضي والإيرادات نتيجة لفقدانها أراضي واسعة في البلقان يمكن تعويضها من الأناضول والولايات العربية، وأن سوريا يمكنها، وحدها، أن تعوض خسارة موارد بعض تلك الأراضي”.

واهتمام السلطان عبدالحميد بالولايات العربية أخذ صورا متنوعة ومختلفة، وكان من ضمن ذلك اهتمامه بالتعليم الذي أخذ جانبا مهمّا في سياسته نحو الولايات العربية، حتى شهد محاولات عدة لانتشاره في المناطق العربية، خصوصا منذ عام 1889م وما بعده، فازدادت أعداد المدارس بمختلف مستوياتها وأنواعها المدنية والعسكرية، إضافة إلى الكليات المتخصصة في الطب والقانون والإدارة.

وبعد أن توجهت الدولة العثمانية نحو الغرب عند سعيها إلى إدخال الإصلاحات في مرافقها المختلفة قامت بإنشاء مؤسسات تعليمية على الطراز الحديث في عهد السلطان محمود الثاني (1809-1839م) منها المدرسة الطبية عام 1827م ثم المدرسة الحربية العسكرية، حيث كان التعليم تابعا للمشيخة الإسلامية، وفي عهد السلطان محمود الثاني فصلَ عنها المرحلة الابتدائية فقد كانت المشيخة الإسلامية تشرف عليه إشرافا تاما والتي تأثرت بنظام الدولة السلجوقية التي وضعها نظام الملك في توفير رجال العلم للإدارة والقضاء.

لكن الدكتور مؤيد حمزة قال إن التعليم الحديث لم يدخل الدولة العثمانية إلا بعد صدور فرمان التنظيمات عام 1839م، حيث بدأت المدارس الأجنبية بالتغلغل بشكل كبير، رغم انها واجهت اجراءات تعسفية نتيجة تخوف الدولة من أهداف تلك المدارس.

وضرب حمزة مثالا بفلسطين حيث بلغ عدد المدارس فيها في العهد العثماني لجميع الأديان 776 مدرسة منها 413 مدرسة عربية إسلامية، و250 مدرسة مسيحية، و113 مدرسة يهودية، وهو ما يشير بوضوح إلى أن الدولة العثمانية سمحت لجميع الطوائف بممارسة حقها في التعليم.

وفي اسطنبول افتتحت لأول مرة المدارس المتوسطة المسماة بالمدارس الرشدية عام 1847م ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات وتتضمن مناهجها (العلوم الدينية، اللغة العثمانية الإملاء، الإنشاء، القواعد الفارسية والعربية، التاريخ العام، التاريخ العثماني، الجغرافيا، الحساب، مسك الدفاتر، الرسم) التي أصبحت تشكل أساسا للدخول إلى المدارس المتقدمة.

وأعقب المدارس الرشدية، طبقا لحمزة، إنشاء مدارس ذات مراحل مختلفة ومنها مرحلة التعليم الإعدادي. وفي عام 1869م أصدرت الدولة العثمانية قانون التعليم العام المسمى معارف عمومية.

وفي رأي الباحث أنّ تغلغل التعليم الأجنبي في الدولة العثمانية كان نتيجة صدور قوانين الإصلاح في جميع الولايات، وذلك عن طريق الإرساليات التبشيرية التي أصبحت أدوات للمطامع السياسية وسببا في الانقسام، لأنها حاولت نشر الديانة المسيحية، وبذلك فإنها أضرت دينيا ووطنيا وثقافيا بالتعليم العربي الإسلامي في مجتمعنا العربي لأن المدارس الأجنبية لم تكن خاضعة لمراقبة وزارة المعارف العثمانية ولذا لم تكن الدولة العثمانية راضية عن النشاط التعليمي الأجنبي والإرساليات التبشيرية إلى درجة أنها لم تعترف بالمدارس الروسية الأرثوذكسية إلا في عام 1902م.

12