العجز التجاري يتحدى جهود ومبادرات الحكومة التونسية

مشكلات هيكلية عميقة تعرقل محاولات إنعاش الصادرات، وصندوق النقد الدولي يزيد ضغوطه لتسريع تنفيذ الإصلاحات.
الخميس 2019/04/11
دروب ضيقة لتحفيز الصادرات

كشفت القفزة القياسية في العجز التجاري التونسي عن عجز السياسات الحكومية عن تعزيز الصادرات بوتيرة تنافس ارتفاع الواردات، في وقت تتصاعد فيه انتقادات صندوق النقد الدولي لبطء معالجة الأزمات المتراكمة في ظل التجاذبات السياسية.

تونس – أكد محللون أن تعزيز الصادرات التونسية يواجه حزمة طويلة من العقبات تبدأ بالنقل البحري والجوي والتأمين والتمويل وتصل إلى بطء الإجراءات الجمركية وغياب تنويع السلع والتنافسية لتنتهي بضعف الإنتاجية.

وأظهرت بيانات حديثة نشرها معهد الإحصاء أن العجز التجاري واصل قفزاته القياسية، حيث تجاوز خلال الربع الأول من العام الجاري، 1.3 مليار دولار، مقارنة مع 1.2 مليار دولار قبل عام.

محسن حسن: العراقيل الراهنة تؤثر على تواجد المنتجات التونسية في الأسواق الواعدة
محسن حسن: العراقيل الراهنة تؤثر على تواجد المنتجات التونسية في الأسواق الواعدة

وارتفعت قيمة الواردات خلال الفترة المذكورة بنسبة 14.3 بالمئة، لتبلغ قيمتها 15.8 مليار دينار (5.2 مليار دولار) مقابل 13.8 مليار دينار (4.6 مليار دولار) بمقارنة سنوية.

وفي المقابل، تطورت الصادرات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري بنسبة 16.3 بالمئة، حيث بلغت قيمتها في نهاية شهر مارس الماضي 11.8 مليار دينار (3.9 مليار دولار) مقابل 10.2 مليار دينار (3.4 مليار دولار) خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

وشكل العجز في مجال الطاقة نحو 35.5 بالمئة من إجمالي العجز التجاري، حيث بلغت قيمته نفس الفترة 1.4 مليار دينار (470 مليون دولار)، مقابل 1.38 مليار دينار (460 مليون دولار)، خلال الفترة نفسها من العام 2018.

وتأتي هذه المؤشرات المفزعة فيما تحاول الحكومة تقليص الواردات وخاصة تلك القادمة من الصين وتركيا، التي استغلت اتفاقية التبادل الحر التي أبرمتها مع تونس في نوفمبر 2004، لكن تونس جمدت الاتفاقية لمدة خمس سنوات.

ويرى وزير التجارة الأسبق محسن حسن أن الإجراءات، التي تم اتخاذها بداية 2018، نظريا تعتبر جيدة، لكن العراقيل الراهنة تؤثر على تواجد المنتجات المحلية في الأسواق الواعدة ومن المفروض إعادة إنتاج الفوسفات والمحروقات.

وتشهد البلاد منذ عدة سنوات تباطؤا في إنتاج الفوسفات والنفط، لأسباب مرتبطة بضعف الاستثمارات في القطاع والتنقيب والاحتجاجات على التوظيف.

ونسبت وكالة الأناضول للوزير قوله إن “المطلوب من الحكومة الآن شراسة في البحث عن أسواق جديدة من خلال إزالة العوائق الإدارية والمالية، فاليوم هناك بطء كبير في تنفيذ الحلول”.

وأضاف “المنتج التونسي قادر على منافسة المنتجات العالمية، في ظل تراجع قيمة الدينار، ولكن ذلك أمر غير كاف، لا بد من التشجيع على الاستثمار في تكنولوجيا الاتصالات”.

ويوضح أنه ليس هناك مجهود كبير لاقتحام أسواق جديدة، خاصة السوق الأفريقية، رغم وجود فرص عدة، منها انضمام تونس مؤخرا للسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا).

وكان البنك المركزي قد أصدر أواخر أكتوبر 2017 أوامر للمصارف المحلية بوقف تمويل واردات 220 سلعة استهلاكية غير ضرورية مع سعي البلاد لتقليص العجز المتفاقم، لكن الأمور لا تسير على ما يرام في ظل انحدار سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية وخاصة اليورو والدولار.

وتعتمد تونس على التوريد بالعملة الصعبة لتغطية الحاجيات الاستهلاكية، في مقدمتها الوقود والمواد الغذائية والحبوب والزيوت النباتية والتجهيزات الإلكترونية والمواد الأولية لقطاعات الصناعة والصحة وغيرهما.

ويقول خالد بن عبدالله، مدير عام التجارة الخارجية بوزارة التجارة، للأناضول، إن “الإجراءات المتعلقة بدفع التصدير المرتبطة بوزارة التجارة تقريبا تمّ تنفيذها بنسبة 100 بالمئة”.

صندوق النقد الدولي: انتعاش ضعيف للاقتصاد التونسي نتيجة شكوك سياسية واختناقات هيكلية
صندوق النقد الدولي: انتعاش ضعيف للاقتصاد التونسي نتيجة شكوك سياسية واختناقات هيكلية

وأضاف “بالنسبة إلى نتائج التجارة الخارجية تتم قراءتها انطلاقا من العديد من المعطيات، وتشمل تدهور قيمة الدينار، وهي ليست من صلاحيات وزارة التجارة، وقطاعات أخرى تعاني من مشكلات مثل المحروقات والفوسفات، وهي تؤثر على الميزان التجاري”.

وبخصوص المشكلات الظرفية، يبيّن بن عبدالله أن المشكلة تكمن في الدينار الذي من المفروض أن يدفع الصادرات ومع تراجع قيمته يؤثر عليها سلبا.

أمّا المشكلات الهيكلية، فتتعلق أساسا بالبنية التحتية والموانئ والنقل البحري والجوي، وتنويع المنتجات والتي بالرغم من التشجيعات مازالت دون النسق المطلوب.

وفي خضم ذلك، أكد صندوق النقد الدولي، في ختام زيارة نفذتها بعثته إلى تونس لمراجعة برنامج الإصلاح الاقتصادي، أن الدولة تعاني انتعاشا متواضعا نتيجة شكوك سياسية واقتصادية واختناقات هيكلية.

وقال في بيان أصدره الأربعاء إن تلك الشكوك “دفعت إلى عدم حصولها على التمويل في الكثير من الأحيان، وبالتالي ظل النمو غير كاف للتخفيف من حدة البطالة، التي لا تزال مرتفعة بشكل خاص للشباب والنساء”.

وتنفذ تونس برنامج إصلاح اقتصادي مع الصندوق منذ العام 2016، للحصول على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار. وتوقع الصندوق أن يرتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنهاية هذا العام ليصل إلى 2.7 بالمئة مع 2.6 بالمئة العام الماضي.

وحذر المركزي مرارا من أن تواصل الضغوط التضخمية بنسق مرتفع من شأنه التأثير سلبا على انتعاش الاقتصاد، وذلك بعد أن رفع أسعار الفائدة بواحد بالمئة لتصل إلى 7.75 بالمئة للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود.

11