العجز الروسي.. والحل السياسي المعطل

الجمعة 2015/10/09

تعاني روسيا من أزمة اقتصادية بنيوية، ظهرت بعد خفض أسعار النفط، والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها نتيجة تدخلها في أوكرانيا. هي تحاول الخروج من أزمتها، وتبحث عن نفوذ في الشرق الأوسط، عبر السيطرة على سوريا، مستفيدة من فاعليتها الدولية كونها دولة عظمى مؤثرة في المجتمع الدولي. لكن فاعليتها تتمثل في اللافاعلية والعجز، لذا هي تنتهج سياسة إيقاف مسارات الحلول، ما دامت لا تمتلك إمكانية المناورة وقيادة تلك الحلول لمصلحتها.

الحل السياسي الذي اتفق عليه الروس والأميركان في مقررات جنيف1 يفترض تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات من النظام والمعارضة، هي بالضرورة حكومة لا غالب ولا مغلوب، أي تضم أطرافاً من النظام والمعارضة، بما يضمن عدم الانهيار الكلي للنظام، والحفاظ على مؤسسات الدولة ما أمكن، لتطويعها خدمة للمستفيدين من الحل السياسي، بما فيها مؤسسة الجيش والأمن، مع تغييرات ودمج في تركيبتها مع عناصر معارضة. الاتفاق يعني أنّ لا دور لبشار الأسد. لكن روسيا تتمسك ببقائه في الحكم، وتبرر تدخلها العسكري الأخير بمحاربة الإرهاب. هو خطاب النظام ذاته، الخطاب الذي يعرقل الحل السياسي وهو ما حصل في جنيف2.

“لا حلّ في سوريا والأسد في الحكم” هذا ما صرح به الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. وبالمثل الدول الإقليمية المعنية بالشأن السوري ترفض استمرار الأسد في السلطة، خاصة السعودية وتركيا وقطر. وهذه الدول تدعم بعض الكتائب الإسلامية، وقد فعلت ذلك منذ تحرير جسر الشغور وإدلب شمالا وكذلك مناطق درعا جنوبا، لوضع حد للنفوذ الإيراني في سوريا بعد التحالف ضده في اليمن، خاصة بعد التقارب الأميركي الإيراني على البرنامج النووي. وبالتالي هذه الدول ما زالت متمسكة بإزاحة الأسد، وهي مستعدة مجددا لتقديم الدعم للكتائب الإسلامية لمنع أي تقدم ممكن للنظام وحليفه الروسي.

ورغم أن اتفاق جنيف1 تضمَّن أن تكون لروسيا الحصة الأكبر من سوريا، لكن سلوك الروس منذ عقد الاتفاق يدل على قلة حيلتهم تجاه تنفيذ الاتفاق وكيفية ضمان مصالحهم. كان تشبيك الروس مع المعارضة المكرسة فاشلا تماما، عجزت عن تشكيل بديل سياسي يلائمها، وفضلت خوض حوار مع معارضة سهلة، تلك التي ارتضاها النظام لهم، والتي تقبل ببقائه. أما تعاطيهم مع الائتلاف السوري المعارض فتمثّل بالجمود التام، رغم أنه تشكل بالأصل بدعم أميركي، استعدادا للحل السياسي، فيما استطاعت تركيا احتضانه والتأثير في سياسته.

أميركا غير مستعجلة على الحل السياسي، هي مازالت تراقب ما يحدث دون اعتراض، بل تمارس ضغوطها حين يلزم ذلك، على الأطراف المتدخلة في الشأن السوري، لإيقاف تقدم المعارضة حيثما تهدد مراكز النظام الأساسية، خاصة في العاصمة. لذلك هدأت جبهة درعا، ومن المرجح أن يتم فرملة التقدم الأخير للمعارضة في ريف دمشق.

الأميركان لا يريدون سقوط النظام؛ وهم كما الروس، لا يجدون بديلاً عنه. لذلك هم لم يعترضوا جدياً على نشر القوات الروسية الأخيرة في الساحل السوري، واكتفوا بالتنديد فقط، حتى حين قصفت غارات الروس مواقع لمقاتلين دربتهم أميركا نفسها. واكتفوا مع حلفائهم بتدخل خجول لمحاربة داعش، وتدريب عدد قليل من الجنود شريطة الاكتفاء بمحاربة داعش دون نظام الأسد.

كل المؤتمرات والقرارات الدولية تقول بالعودة إلى مبادئ جنيف1، سواء القرار المتعلق بنزع السلاح الكيماوي السوري، أو مقررات جنيف2. وبالتالي كل الدول المعنية، الإقليمية والدولية، متفقة على أن الحل السياسي، وليس انهيار أحد الطرفين، هو ما ينبغي أن يكون نهايةً الصراع السوري. من هنا بات الاقتراب من دمشق والساحل السوري ممنوعا على المعارضة.

المسموح لدى أميركا، هو التقدم من جهة النظام، فهي منسحبة من المنطقة، وستكتفي بالحفاظ على نفوذها في الخليج، فضلاً عن ضمان أمن إسرائيل، الأمر الذي يتعهد به الروس، حسب ما يبدو من الارتياح الإسرائيلي للتدخل الروسي. من هنا يستعد الروس لحملة المئة يوم، فقد جهزوا لها 50 طائرة هي في الخدمة الآن، وصواريخُها لم تستثنِ أطفال تلبيسة والرستن، ولا مواقع الجيش الحر في إدلب ولا مدنييها، ومن أجل فقء العين أرسلت غارات خجولة إلى مواقع تنظيم الدولة في الرقة وحلب، ربما لتصدق كذبتها عن محاربة الإرهاب. يعمل الروس على توسيع حملتهم العسكرية، بدعم من قوات بحرية لهم، وبمشاركة قوات برية إيرانية تضم مقاتلين من جنسيات مختلفة إضافة إلى حزب الله، حيث ستفتح جبهات في إدلب وريف حماه. وهنا تلتقي المصالح الروسية الإيرانية في إطالة عمر نظام الأسد.

النظام غير قادر على القبول بالمرحلة الانتقالية، بحكم طبيعته المافياوية العائلية، فالحل السياسي يعني ألا يكون للعائلة الحاكمة أي دور، وهو بنفس الوقت عقد الصفقات الاقتصادية والعسكرية مع الروس مقابل تأمين الحماية له. هو اليوم في أضعف حالاته، فجيشه منهار، وقد صمد بفعل مساعدة حلفائه في إيران وحزب الله، وهو الآن محمي مباشرة من قوات عسكرية روسية. وبما أن روسيا وأميركا لم تتمكنا من صياغة بديل عن النظام مضمون لهم، يمكّنهما من إزاحة عائلة الأسد والبدء بالحل السياسي، فهما مضطرتان إلى تسويف الحل على يد الروس، إلى أن يستجد ما يفرض المضي به.

كاتبة سورية

9