العجز ينهش الاقتصاد التركي وأنقرة تعض اليد التي تطعمها

العجز التجاري التركي مع بقية دول العالم يتضاعف ليصل إلى 9 مليارات دولار، وأردوغان لا يتوقف عن زيادة متاعب الاقتصاد عبر تعكير العلاقات مع الجيران.
الثلاثاء 2018/03/13
أفق الاقتصاد التركي قاتم

في وقت تتصاعد فيه المخاوف من الارتفاع السريع في تضخم العجز في الحساب الجاري التركي، تعض أنقرة اليد التي تمتد بالعون إلى اقتصادها الهش.

في ذروة متاعب الاقتصاد التركي يزعم الرئيس أردوغان وأركان حكومته أن أوروبا ليس بوسعها التخلي عن تركيا، لكن الواقع يؤكد أن أنقرة تبالغ في تقديراتها وأنها تحتاج أوروبا أكثر بكثير من حاجة الأخيرة إليها.

خلال العام الماضي، انهالت انتقادات أردوغان على قادة أوروبا وبلغت حد اتهام ألمانيا وهولندا بممارسات “نازية”. ورغم ذلك، بقيت أوروبا أكبر مصدر للاستثمارات في تركيا، في وقت يحتاج فيه أردوغان إلى كل ليرة إضافية لدعم الأوضاع الاقتصادية المتردية.

وكشفت بيانات مروّعة نشرت مؤخرا أن العجز التجاري التركي مع بقية دول العالم تضاعف في يناير بمقارنة سنوية ليصل إلى 9 مليارات دولار، وهو ما دفع مؤسسة “آسيا أنهيدجد” لأبحاث السوق للتحذير من أن الوضع أصبح خارج نطاق السيطرة.

وزاد أردوغان الطين بلّة عبر التخفيضات الضريبية وإتاحة القروض بأسعار فائدة منخفضة ليعمق عجز الحساب الجاري ويحول السوق التركي إلى ثقب أسود يبتلع كل ما يأتيه من السلع المستوردة.

ولتجنب مخاطر الركود الاقتصادي، يتعين سدّ عجز الحساب الجاري عبر تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية في وقت يسعى فيه أردوغان للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة لحسم التحول المثير للجدل إلى النظام الرئاسي الكامل.

ينبغي دق ناقوس الخطر من اقتراب الاقتصاد التركي من نقطة الانهيار، في ظل استمرار تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي هي شريان حياة الاقتصاد التركي حيث تغذي النمو وتمنع انهيار قيمة الليرة.

وأدّى توتر العلاقة بين واشنطن وأنقرة إلى انخفاض تدفق الاستثمارات الأميركية في العام الماضي إلى 171 مليون دولار وتبتعد بمسافة شاسعة عن ذروتها في عام 2007 حين بلغت 4.2 مليار دولار.

أصبحت أوروبا المصدر الرئيسي للتدفقات النقدية، التي يحتاجها الاقتصاد التركي بشدة للبقاء صامدا، حيث ضخت العام الماضي 5 مليارات دولار، أي أكثر من ثلثي إجمالي التدفقات التي بلغت 7.4 مليار دولار فقط.

وحتى حين اختار وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو التودد إلى الاتحاد الأوروبي بكتابة مقال في صحيفة دايلي تلغراف البريطانية ارتكب عدة أخطاء تبدأ من العنوان المتعجرف “حان وقت دحض الخرافات بشأن تركيا. أوروبا ليس بوسعها التحرك من دون تركيا” ولا تنتهي باختيار تؤيد به تفكك الاتحاد الأوروبي.

ومضى يقول تحت ذلك العنوان إن أوروبا من دون تركيا ستصبح ضعيفة ومعرضة للخطر وإن تركيا يمكن أن تكون سندا للتكتل الأوروبي “بفضل اقتصادها الذي ينمو بمستويات يتمنى أي بلد أوروبي بلوغها” في حين أن أمراض الاقتصاد التركي قل نظيرها في العالم.

استثمارات قطر وروسيا العام الماضي لم تعادل سوى أقل من واحد بالمئة من استثمارات هولندا في تركيا

ويأتي ذلك الموقف بعد الفتور الذي أبداه قادة أوروبا تجاه اهتمام تركيا المتجدد والمفتعل بتنشيط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. فقد صدم أردوغان خلال زيارته لباريس في يناير الماضي بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحة أن الوقت حان لوضع حد للنفاق في التظاهر بوجود إمكانية لتحقيق تقدم في مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

ولم يتردد ماكرون في الإشارة إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان بشكل مستمر منذ فرض حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016. كما صدرت انتقادات أخرى كثيرة لأنقرة من كبار المسؤولين الأوروبيين تؤكد أنهم ما عادوا يخشون مساوماتها وتهديداتها بشأن اللاجئين.

لكن بدلا من طرق أبواب أخرى لتعزيز الروابط الاقتصادية مثل السعي لتعزيز اتفاقية الاتحاد الجمركي التي يمكن أن تفيد الاقتصاد التركي كثيرا وتجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، يصرّ أردوغان على أنه لن يقبل بأقل من العضوية الكاملة.

وتتخبط أنقرة في البحث عن علاقات تخفف أزماتها مثل روسيا وقطر، لكن تلك العلاقات لا يمكن أن تعوض توتر علاقاتها بأكبر شركائها التجاريين. وتشير البيانات إلى أن الشركات الروسية لم تستثمر سوى 4 ملايين دولار فقط في تركيا العام الماضي.

أما الاستثمارات القطرية فتراجعت من 420 مليون دولار في عام 2016 إلى 100 مليون دولار فقط العام الماضي، وهو مبلغ لا يعادل سوى 0.055 بالمئة من الاستثمارات الآتية من هولندا، أكبر مساهم في الحد من العجز التجاري التركي بنحو 1.8 مليار دولار.

كما أن اندفاع أردوغان إلى أفريقيا لم يحقق سوى عائد ضئيل، ولم تسجل تركيا سوى فائض تجاري هامشي للغاية مع القارة في يناير.

ولا يتوقف أردوغان عن زيادة متاعب الاقتصاد التركي عبر تعكير العلاقات مع الجيران، فتجده يتعمد استفزاز اليونان، تارة من خلال إثارة النزاع على الجزر في بحر إيجة، وتارة عبر المطالبة بحصة من اكتشافات الغاز قبالة شواطئ قبرص المقسمة.

وفي ديسمبر الماضي، عشية زيارة لأثينا كانت وسائل الإعلام التركية تصفها بأنها علامة فارقة في العلاقات بين البلدين، أثار أردوغان لأسباب يتعذر تفسيرها مسألة إعادة ترسيم الحدود في بحر إيجة المثبتة في معاهدات تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

ومع منع تركيا لقبرص الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي من التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، تثبت التوترات السياسية مع أثينا أن لها عواقب أوسع على العلاقات التركية مع أوروبا، وبالتالي على نظرة رجال الأعمال في أوروبا لتركيا. ولا شيء من هذا يشكل خبرا سارا بالنسبة للاقتصاد التركي.

الأرقام لا تكذب، فالعجز التجاري التركي يصل حاليا إلى 12.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يقوض التضخم الجامح آثار النمو الاقتصادي المرتفع. وفي ظل غياب الإرادة السياسية لاتخاذ خطوات لإبطاء الاقتصاد قليلا، يبدو الوضع في غاية الخطورة.

وتشير مؤسسة “آسيا أنهيدجد” إلى أن العجز التجاري اليوناني بلغ 8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل انهيار البلاد تماما في عام 2009. ويؤكد ذلك أردوغان بحاجة ماسة لاتخاذ خطوات جادة لإعادة العلاقات مع أوروبا إلى مسارها الصحيح وإصلاح صورة البلاد في دول القارة.

وفي كل الأحوال يبدو مستبعدا حدوث طفرة كبيرة في الاستثمارات ما لم تتحسن العلاقات بشكل ملحوظ وسريع، وهو ما يتطلب من أردوغان اتخاذ إجراءات عاجلة تهدف إلى وضع حد لانزلاق تركيا إلى الحكم الاستبدادي، ومن بينها إنهاء حالة الطوارئ، وهو أمر لا يرغب في القيام به.

ويبدو أفق الاقتصاد التركي قاتما مع اقتراب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي من تشديد السياسات المالية. وسيؤدي ذلك حتما إلى رحيل رؤوس أموال كثيرة من الأسواق الناشئة مثل تركيا إلى الأسواق الأميركية والأوروبية.

10