"العجوز والمسدس" جاذبية الشخصية وراء أسطورة اللص الظريف

تقدم العمر لم يؤثر على قدرات الممثل روبرت ريدفورد وجاذبيته أمام الكاميرا، فهو مازال يتمتع بالكاريزما التي جعلته دائما بطلا فوق العادة لدى جمهور السينما.
الجمعة 2018/11/09
علاقة غرامية نادرة في خريف العمر

من أفضل ما عرض من أفلام روائية طويلة في الدورة الـ62 من مهرجان لندن السينمائي، الفيلم الأميركي “العجوز والمسدس“ في عرضه العالمي الأول خارج أميركا الشمالية، حيث لم يعرض من قبل سوى بمهرجان تورنتو الأخير واستقبل هناك استقبالا حافلا من جانب الجمهور.

للوهلة الأولى يبدو الفيلم الأميركي “العجوز والمسدس” The Old Man  and the Gun أنه قد كُتب خصيصا للممثل الشهير روبرت ريدفورد (82 عاما) الذي حرص أيضا على أن ينتجه بنفسه لكي يضمن لمخرجه وكاتبه ديفيد لوري الحرية التي تسمح له بتحقيق الفيلم كما أراد.

كان هذا ما صرح به روبرت ريدفورد نفسه، ثم ألقى بمفاجأة أخرى عندما قال عند افتتاح عروض الفيلم في نيويورك مؤخرا، إنه كان من الخطأ أن يعلن اعتزاله التمثيل بعد “العجوز والمسدس”، وأنه يرى أن تصريحه بالاعتزال لقي اهتماما أكبر من الضروري، بينما كان من الأفضل أن يتركز الاهتمام على الفيلم نفسه وأبطاله الذين شاركوه العمل فيه، وأضاف أنه سيأتي يوم ويعتزل، ولكن عندما سيأتي ذلك اليوم فإنه سيبتعد في هدوء ويتخذ مسارا آخر في الحياة.

لا شك أنها أخبار جيدة، لماذا؟ لأن عشاق السينما في العالم والذين تابعوا عبر عقود عدة مسيرة روبرت ريدفورد السينمائية الحافلة، وهواة السينما من الشباب الذين راجعوا أفلامه الشهيرة التي حفرت في ذاكرة السينما، لا بد وأن يشعروا بالحزن عندما يعلن ممثل بقامة ريدفورد وهو في قمة قدرته على العطاء رغم تقدمه في العمر، أنه سيعتزل التمثيل، خاصة عندما يأتي أداؤه في هذا الفيلم متمتعا بكل هذا النحو من السحر والرونق بعد أن أصبح قادرا على التعبير أمام الكاميرا في بساطة وسهولة آسرتين، يمكنه أن يتحرك ويشير ويتحدث كما لو كان يعرف جيدا الدور والموقف، ودون أدنى شعور بالتردد أو الوجل، مع قدرة هائلة على العيش داخل جلد الشخصية التي يؤديها، يتلاعب بالحوار كما يشاء كما لو كان ينبع من ذاته على نحو عفوي.

كاريزما الممثل والشخصية

لم يؤثر تقدم روبرت ريدفورد في العمر على قدراته وجاذبيته أمام الكاميرا، فهو مازال يتمتع بالكاريزما التي جعلته دائما بطلا فوق العادة لدى جمهور السينما مهما تنوعت الأدوار التي يقوم بها، إنه يقبض على الشخصية، بل وعلى الفيلم بأسره، يقودنا من مشهد إلى آخر، يضحك ويسخر ويتلاعب، دون أن تفارقه الثقة والابتسامة الجذابة.

وهذا فيلم آخر بطلاه الرئيسيان من العجائز، تماما كما كان الأمر في الفيلم البديع “أرواحنا في الليل” الذي شاهدناه العام الماضي وقام ببطولته روبرت ريدفورد أمام جين فوندا، وكنا نعتقد أن لا شيء يمكنه أن يضاهي تلك “الكيمياء” أو التناغم المذهل بين الممثلين المخضرمين كأنهما كانا دائما يعملان معا ويعرفان بعضهما البعض خير معرفة.

لكن “العجوز والمسدس” قلب هذا التصور تماما وأضاف أمامنا إشكالية أخرى يتعين علينا أن نسعى لتفسيرها، هذه الإشكالية أو بالأحرى المعضلة، تتلخص في التساؤل التالي: كيف يمكن لثنائي تمثيلي: ممثل وممثلة، أن يتمتعا بكل هذا التجانس والتفاهم الذي تكشفه نبرة الصوت ونظرة العين وارتعاشة الجفون وحرارة الجسد الذي ينبض بكل عنفوان الشباب، في حين أنه ليس من السهل إخفاء معالم الشيخوخة التي بدت واضحة في التجاعيد المحفورة على وجهيهما دون أن تقلل من جمال الوجه أو تنتقص من سحر الشخصية؟

يقف روبرت ريدفورد أمام الممثلة سيسي سباسيك (69 عاما) التي تتركنا دون أن نستطيع أن ننسى ابتسامتها العذبة الرائعة التي تنم عن معرفة وإدراك وخبرة ضرورية في الحياة، ورغم ذلك فهي تعرف أنها قد وقعت من أول نظرة كأي فتاة مراهقة خجولة تتردد وتتلعثم أمام حبيبها في لقائهما الأول.

إن كل ما يقوله لها في بساطة وصراحة تدهشها، يبدو غريبا، يستعصي على التصديق، فهل يقول لها الحقيقة أم أنه يمزح عندما يدس في يدها ورقة كتب فيها عمله الحقيقي الذي فاجأها وأربكها: أي أنه بكل بساطة “لص يسرق البنوك”.

"جنتلمان" حقيقي
"جنتلمان" حقيقي

ويستند الفيلم على وقائع حقيقية في حياة شخصية حقيقية، والسيناريو قائم على ما جاء في مقال طويل نشر في صحيفة “نيويوركر” (بتاريخ 27 يناير 2003) بعنوان “العجوز والمسدس” (بقلم ديفيد غران)، يروي قصة “فورست تاكر” لص البنوك الحقيقي الذي أقام الدنيا ولم يقعدها لعقود عدة، حينما ظل يواصل هوايته في سرقة البنوك حتى بعد أن بلغ الثامنة والسبعين من عمره.

وكان دائما يقع في أيدي الشرطة، ولكنه كان دائما أيضا يتمكن من الهرب، وقد نجح في الفرار من السجن 16 مرة، وفي المرة الأخيرة أقنعته “جويل” التي وقع في حبها بعد أن تقدم به العمر، بالجنوح إلى السكينة والقبول بما قدر له فقضى خمس سنوات قبل أن يغادر سجنه، لكنه يقوم بعد خروجه إلى الحرية، بالسطو على أربعة من البنوك في يوم واحد!

تأمل وجودي

يقوم روبرت ريدفورد بدور هذا الشهير فورست تاكر، لكن الفيلم ليس أحد أفلام السيرة الشخصية التقليدية، صحيح أنه يدور حول شخصية ذلك اللص الغريب الأطوار، لكن السيناريو يبتكر الكثير من الأحداث والمشاهد التي تجعل من الفيلم أحد الكلاسيكيات الحديثة، فهو يعيد إلى الذاكرة أفلاما سبق أن تألق فيها ريدفورد مثل “باتش كاسيدي وصندانص ذا كيد” و”اللدغة” وغيرهما، ولكن “العجوز والمسدس” لا يكتفي بالقالب التشويقي البوليسي، فهو يمزج بين الكوميديا والمغامرات والإثارة البوليسية والعاطفية الرومانسية.

ويتجلى في الفيلم أيضا الكثير من لحظات التأمل الوجودية التي تدور حول معنى الحياة بعد أن يكون المرء قد قارب على أن يختتم عقده الثامن، مع قسوة الشعور بالوحدة التي تستبد به بعد أن انقطعت صلته بأسرته أو ما تبقى منها، أي ابنته، وما الذي يمكن أن يفعله هو الذي لم يتعلم شيئا في حياته، كما لم يمر بتجربة العمل في أي مهنة من المهن الشائعة، هل حقا أصبح يمارس السرقة لدفع الشعور بالملل، واستجابة لرغبته في تحدي نفسه والعالم كله، أم يمارسها لكي يشعر بلذة المغامرة والإثارة التي تتولد من التجربة المتكررة التي تسري بالدفء في حياته الرمادية؟ المؤكد أنه لم يعد يسرق من أجل الحصول على المال بعد أن تكدس لديه الكثير منه.

والفيلم يتابع مغامرات هذا اللص المهذب الذي يتمتع بالثقة ويرسم ابتسامة عريضة على وجهه دائما، منذ يوليو 1981، أي بعد فراره من السجن مباشرة في ذلك العام وكان وقتها قد تجاوز الستين من عمره، ثم يلتقي بالمرأة التي يقع في حبها التي لا يمكنها أن تصدق أنه بكل رقته وطفوليته، يمكن أن يكون لصا محترفا.

إنه “جنتلمان” حقيقي في سلوكه، يستنكف أن يستغل المرأة التي وثقت به وأدخلته بيتها في الضيعة الأرستقراطية التي تمتلكها، حتى بعد أن تشتد مطاردة الشرطة له، فهو يفضل أن ينتظر لحظة القبض عليه في العراء بعد أن يمتطي صهوة أحد جياد السيدة جويل، وكأنه بطل أسطوري في إحدى قصص القرن السادس عشر.

لا يمارس فورست تاكر سرقاته وحده، فمعه دائما رفيقه الأسود “تيدي” (داني غلوفر)، وزميله الأبيض “ووللر” (توم وايتس)، وعندما يدخل إلى البنك الذي يعتزم سرقته وهو عادة أحد البنوك المحلية الصغيرة، يكون مساعده ووللر واقفا يراقب المشهد تحسبا لما يمكن أن يحدث إذا تعثرت الخطة.

أما فورست فهو يتقدم بكل ثقة، وهو يرتدي ملابس تدل على الثراء، وقد وضع لنفسه شاربا كثا مستعارا وأسدل قبعته فوق رأسه التي تكشف مقدمتها عن شعره المتغضن الأشيب الذي يشي بالهيبة والوقار، ثم يطلب أن يرى مدير الفرع لكي يفتح حسابا، وعندما يسأله مدير البنك “أي نوع من الحساب ترغب؟”، يفتح سترته ويظهر من تحتها مسدسه مبتسما ويقول في هدوء تام “هذا النوع؟”، ثم يحصل على ما يشاء من المال ويغادر بسرعة مع رفيقه إلى السيارة التي يقودها تيدي.

هكذا يتكرر الأمر مع تنويعات مختلفة، وعندما تأتي الشرطة وتستجوب مدير البنك أو مسؤولة الفرع الذي تعرض للسرقة تكاد تكون الإجابات متطابقة، كيف يبدو هذا الرجل؟ إنه جنتلمان.. رجل لطيف جدا.. مبتسم.. رقيق.. لا يمكن أن يكون لصا.

وهذه الأوصاف المتكررة هي ما تدفع الضابط الذي يتولى التحقيق، وهو “جون هنت” (كايسي أفليك) لمعرفة كل شيء عن هذه الشخصية العجيبة، فينقب ويبدأ في رسم صورة له من خلال المعلومات المتوفرة وشهادات الشهود، لكن فورست يتمادى في معابثته عندما يبعث إليه بصورة شخصية له وهو في شبابه المبكر بين والديه، يستخدمها للتوصل إلى شخصيته الحقيقية.

لكن المفاجأة الثانية أن فورست لا يتورع عن الذهاب لمقابلة جون هنت وجها لوجه، إنه يتتبعه إلى حيث يراقبه وهو جالس مع ابنته في أحد المطاعم، يسقط بعض الطعام على سترته فيتوجه إلى دورة المياه لتنظيف سترته، يدخل عليه صاحبنا، تكاد المفاجأة تشله، يدور حوار طريف بينهما دون أن يصرح فورست بأنه من يبحث عنه جون، ثم يغادر فيتجمد جون في مكانه، يبتسم ويفكر: لقد وقع في أسر شخصية اللص.

ليس هذا فيلما عن المطاردة التقليدية المألوفة بين الشرطي واللص، بل هو أقرب إلى مبارزة طريفة بين ندين، أحدهما أي الشرطي، مدفوع بالتحدي الذي فرضه عليه اللص، والثاني أي اللص، تستهويه لعبة استعراض الثقة، كما يعتمد على وسامته وقدرته على المناورة والمراوغة ثم الإفلات في الوقت المناسب.

مفارقات

لص جنتلمان
لص جنتلمان

هناك الكثير من المفارقات التي تنبع من تناقضات الشخصية الرئيسية: الرغبة في الحب والشعور بالحنين إلى حياة المنزل التي لم يتذوق طعمها منذ سنوات بعيدة، وفي الوقت نفسه الرغبة الدائمة في تحدي النفس، وأن يثبت لنفسه أنه لا يشيخ أبدا، وأنه سيظل قادرا على القيام بما كان يقوم به دائما، وأن يتمكن أيضا من الفرار من داخل أعتى السجون.

وفي لقطة شديدة الذكاء، بعد أن يغادر فورست السجن صحبة جويل، يذرع الاثنان شوارع البلدة الصغيرة.. يمران أمام أحد البنوك.. وفي التفاتة تلقائية يلتفت فورست نحو واجهة البنك وتبدو على وجهه لبضع ثوان، علامات تشي بالحنين إلى معاودة السرقة.

من مزايا السيناريو أيضا اهتمامه بإضفاء ملامح إنسانية على شخصية الضابط جون هنت، فهو رب أسرة، متزوج من سيدة سوداء “مورين” (تيلكا سمبتون) لديه طفلان منها يلهو معهما ويستمتع بقضاء الوقت في المنزل مع زوجته في فترات الراحة من العمل، لكنه يشعر بوطأة المهنة، ويصرح لزوجته برغبته في التقاعد المبكر لكي يتفرغ لتربية الطفلين، أي أنه النقيض لشخصية فورست تاكر الذي لا يعرف معنى للاستقرار العائلي ولا يرغب في الكف عن سرقاته والتقاعد المريح. تقول ابنته للضابط إنها لا ترغب في رؤيته عندما يقبضون عليه وأنه يجب أن يبقى دائما وراء القضبان.

يسير بناء الفيلم أساسا في مسار صاعد، لكنه يقطع السرد أحيانا عندما يسترجع البطل نثرات خاطفة من حياته، وعندما نرى في لقطات مقتضبة سريعة ما يقوله الشهود عنه، كما يلخص الفيلم من خلال الفوتومونتاج تاريخ عمليات الفرار التي قام بها الرجل عبر السنين، بل يستخدم المخرج أيضا صورا لروبرت ريدفورد في شبابه وكذلك لقطات قصيرة من فيلمه الشهير “صندانص ذا كيد”.

ويتنقل الفيلم في الزمن من خلال كتابة التواريخ والأماكن على الشاشة للإيحاء بواقعية الأحداث، وطابعها التسجيلي. ويحافظ مدير التصوير على الصبغات اللونية التي تحاكي أجواء الثمانينات، مع طرز الأزياء والسيارات وغيرها، ولكن من نقاط الضعف الواضحة ذلك الأداء المرتبك لكايسي أفليك في دور الضابط، فهو يمضغ الكلمات في تكاسل، ويتحرك ببطء وجمود وملل ويبدو كما لو كان يعاني من الاكتئاب، كما يفتقر لروح المرح على العكس من أداء ريدفورد، ولا شك أن المخرج ديفيد لوري يتحمل مسؤولية اختياره كما يتحمل مسؤولية غياب الكيمياء بين الممثلين، لكن أداء ريدفورد وسباسيك يرتفع بالفيلم ويجعله عملا مرموقا.

16