العدالة الاجتماعية.. رهان المرحلة في المغرب

الاثنين 2016/02/22
هل تشملهم العدالة الاجتماعية

الرباط - منذ سنوات والمغرب يسارع الخطى لأجل إرساء نموذجه في العدالة الاجتماعية عبر الانخراط في عدة ورش ذات طبيعة سوسيو-اقتصادية وتنموية، ولا يخفى أن مجال العدالة الاجتماعية له خصوصيته، ويتطلب تضافر جهود الدولة وعدة متدخلين لإنجاحه وتدبير كل جوانب القصور التي يمكن رصدها على عدة مستويات اجتماعية وسياسية وحقوقية وعلى مستوى العدالة والسياسات العمومية.

وفي هذا الإطار يحتضن مجلس المستشارين، الغرفة الثانية من البرلمان المغربي، يومي 19 و20 فبراير الجاري أشغال المنتدى البرلماني للعدالة الاجتماعية. حيث أكد العاهل المغربي في رسالة للمشاركين أن “تحقيق العدالة الاجتماعية يشكل خيارا استراتيجيا للمغرب وموضوعا أساسيا لتوجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.

وشدد الملك محمد السادس على أن “الطابع الاجتماعي شكل خيارا تاريخيا مستمرا لنظام الملكية الدستورية للمملكة منذ سنة 1962”، مؤكدا أنه “ينبني أيضا على قناعتنا بأن الكرامة والعدل والإنصاف وتكافؤ الفرص وتحقيق سبل العيش الكريم لكل فئات الشعب، هي من حقوق الإنسان الأساسية ومن ثم شكلت جوهر العديد من مبادراتنا وأساسا لتوجيهاتنا الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات العمومية، لا سيما تلك التي نوجهها للحكومة والبرلمان ومجالس الجماعات الترابية”.

وشدد العاهل المغربي في ذات الرسالة، على أن “هذه الرؤية الإنسانية والواقعية في آن واحد هي ما يشكل، على سبيل المثال لا الحصر، جوهر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في نسختها الأولى والثانية، وكذلك برنامج التنمية الموجه لساكنة العالم القروي، خاصة الفئات الأكثر فقرا وهشاشة، والذي تم الإعلان عنه في خطابنا الأخير بمناسبة عيد العرش”.

وأشار العربي البوبكري، أستاذ بكلية الحقوق بفاس في حديث لـ”العرب”، إلى أنه منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش في المغرب سعى إلى بناء نموذجه الخاص في مجال العدالة الاجتماعية، الهادف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية انطلاقا من الورش الكبيرة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية الذي يهدف إلى دعم الفئات الفقيرة في البلاد.

وبشهادة مختصين فقد حققت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إنجازات مهمة وملحوظة خاصة على مستوى مشاريع محو الأمية ودعم المشاريع الصغرى المدرة للدخل، وفي نفس السياق يعد مشروع مكافحة مدن الصفيح وتمكين الفئات الهشة من سكن اجتماعي لائق.

بن كيران: المبادرات التنموية التي أطلقها المغرب والمتمثلة في المشاريع الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة، أثبتت أن نجاعة الخيار التنموي التي ارتضته المملكة بقيادة الملك محمد السادس

وفضلا عن ذلك تم النهوض بأوضاع المرأة وصيانة كرامتها من خلال مدونة الأسرة، إلى جانب موضوع الولوج إلى العدالة الذي يعد من أبرز إنجازات هذه المرحلة.

واستدرك الأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس، قائلا إنه مع كل هذه الإنجازات إلا أن تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية يظل بعيد المنال في المغرب استنادا إلى مجموعة من المؤشرات منها، الهوة الكبيرة بين طبقة الأغنياء والطبقة الفقيرة، وتقلص نطاق الطبقة الوسطى التي تعرف في الوقت الحاضر تهميشا وتضييقا كبيرين بسبب تدهور القدرة الشرائية لمكوناتها والمساس بمجموعة من المكتسبات التي حققتها.

واعتبر العاهل المغربي في رسالته إلى المنتدى البرلماني للعدالة الاجتماعية، أن إطلاق التفكير والنقاش العموميين بخصوص بناء نموذج مغربي للعدالة الاجتماعية، هو برهان واضح على قوة مؤسساتنا الدستورية، وحيوية فضائنا العمومي الوطني وقدرته على احتضان ديناميات المجتمع وتعدد آرائه وتنوع مصالح فئاته المختلفة. مضيفا أن هذا “مكسب ثمين لا يمكن إدراك قيمته إلا على ضوء ما تعيشه العديد من المجتمعات من تمزقات وتوترات بخصوص قضايا مجتمعية بالغة الحساسية”.

وأكد رئيس الحكومة عبدالإله بن كيران أن الاستثمار في التنمية البشرية يعد مؤشرا قويا على نجاعة الخيار التنموي المغربي نحو إرساء مفهوم أمثل للعدالة الاجتماعية.

وأوضح بن كيران، أن المبادرات التنموية التي أطلقها المغرب والمتمثلة في المشاريع الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة، والتي رأت النور، أثبتت أن نجاعة الخيار التنموي التي ارتضته المملكة بقيادة الملك محمد السادس، هو رهان استراتيجي واعد وكفيل بربح معركة التنمية المستدامة.

وأوضح حكيم بن شماش، رئيس مجلس المستشارين خلال افتتاحه للمنتدى، أنه “بينما تشهد العديد من البلدان تفاقم حالة اللايقين واتساع مساحات الصراعات بسبب هشاشة مؤسساتها وعدم قدرتها على التجاوب مع تطلعات مواطنيها، تمضي بلادنا بثبات تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس على درب إيجاد أجوبة مؤسساتية لأدق المعضلات”.

من أبرز التحديات التي تعيق أداء الأحزاب في علاقة بموضوع العدالة الاجتماعية، غياب رؤية واضحة لاستقطاب كفاءات شبابية قادرة على بلورة تصورات في مجال العدالة الاجتماعية

وأكد العربي البوبكري، أستاذ بكلية الحقوق بفاس في حديث لـ”العرب”، أن مسألة التوزيع العادل للثروة تعد من أبرز الإشكالات التي تطرح بقوة في المغرب وتحتاج لإجراءات ملموسة وجريئة، دون التغافل عن معضلة الفساد الإداري والمالي التي تعوق مسلسل إحقاق عدالة اجتماعية حقيقية في المغرب.

وحول أدوار المجتمع المدني والإعلام والأحزاب في موضوع العدالة الاجتماعية قال العربي البوبكري، إن جمعيات المجتمع المدني ساهمت بشكل كبير في النضال من أجل تحقيق عدالة اجتماعية في المغرب، وقد حققت تراكمات مهمة تؤهلها للمساهمة في وضع استراتيجيات، والمساهمة في بلورة سياسات عمومية في مجال العدالة الاجتماعية.

واعتبر ذات المتحدث أن من أبرز التحديات التي تعيق أداء الأحزاب اليوم في علاقة بموضوع العدالة الاجتماعية، غياب رؤية واضحة لاستقطاب كفاءات شبابية قادرة على بلورة تصورات في مجال العدالة الاجتماعية.

وقال جواد الرباع، الباحث في العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش في تصريح لـ”العرب”، إن مفهوم العدالة الاجتماعية يتناول كل الأبعاد والمجالات السياسية والاجتمــــاعية والاقتصادية والحقوقية والبيئية والصحية والتعليمية، واعتبر أن هناك مجموعة من المؤشرات والتقارير تشير إلى أن المغرب يعرف تراجعا على مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع معدلات البطالة وأزمة التشغيل.

وأكد الباحث المغربي أن تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب العمل بجدية على مستوى السياسات العمومية الاجتماعية والخيارات والقرارات المجتمعية من خلال إشراك المواطن في صناعة القرار على المستوى المركزي والمحلي، مع تمكين المواطن من مجموعة من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، تكون متساوية ومتكافئة ولا تجور فيها الأجيال الحاضرة على الأجيال المقبلة.

6