العدالة الجبائية أولى الخطوات نحو مكافحة الفساد في تونس

لا يمكن مقاومة الفساد في تونس إلا بتحقيق العدالة الجبائية التي لها دور مهم في القضاء على ظاهرة التهرّب الضريبي وتحقيق مبدأ المساواة أمام القانون.
الجمعة 2016/10/07
مقاومة الفساد أولوية الأولويات

تونس - تصاعدت الدعوات في الآونة الأخيرة إلى إدراج أحكام قانونية بمشروع قانون المالية لسنة 2017 لرفع السرّ البنكي بحجّة مقاومة ظاهرة التهرّب الضريبي وتحقيق العدالة الجبائية في تونس.

وأثار هذا المقترح جدلا واسعا تركّز أساسا على تردّي الأوضاع العامة بالبلاد في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع مؤشرات النمو، على اعتبار أن رفع السرّ البنكي ستكون له انعكاسات سلبية على السيولة.

كما تركز الجدل على ضرورة حماية المعطيات الشخصية، التي من ضمنها السرّ البنكي. وينصّ الدستور التونسي في فصله الـ24 على ما يلي “تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسريّة المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية”.

وبدأ الجدل حول رفع السرّ البنكي منذ سنة 2014 حيث ورد في الفصل 12 من قانون المالية لنفس السنة أن المؤسسات المالية مطالبة بتمكين مصالح الجباية المختصة من أرقام الحسابات المفتوحة لديها وهويات أصحابها حتى تتمكن الدولة من معرفة المتهرّبين ضريبيا والذين يفتحون حسابات بنكية موازية غير مصرّح بها.

وسبق أن أكد وزير المالية السابق في حكومة الحبيب الصيد سليم شاكر أن الدولة تتجه نحو تكريس العدالة الجبائية من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2016 والذي شمل إجراءات جديدة تهمّ الأشخاص والأنشطة التي لا تدفع الضرائب وهو ما من شأنه أن يساعد على مقاومة ظاهرة التهرّب الضريبي التي كانت أيضا ضمن أولويات حكومة مهدي جمعة ولكنه لم ينجح في التقليص منها.

ومنذ يومين، أكد الوزير المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مهدي بن غربية، في تصريحات لإذاعة “موزاييك” الخاصة، أن الحكومة بصدد إعداد مشروع لرقمنة الجباية، مفيدا بأنّ هناك مهنا حرة غير قائمة بالعبء الجبائي المطالبة به على غرار قطاع المحاماة وأطباء القطاع الخاص وغيرهم، معتبرا أنّ ”من لا يدفع الجباية سارق”.

الإصلاح الجبائي مطلب شعبي نظرا إلى أهميته في مكافحة الفساد وفي تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية

والتهرّب الضريبي الذي يعدّ اليوم دليلا على استشراء الفساد كان أداة للمقاومة ضدّ البايات في تونس فمضاعفة نظام محمد الصادق باي لضريبة الإعانة أدت إلى قيام ثورة شعبية قادها علي بن غذاهم سنة 1864 قبل اعتقاله سنة 1866 وإخماد الثورة.

وتحوّل الإصلاح الجبائي إلى مطلب شعبي في تونس نظرا إلى أهميته في مكافحة الفساد وفي تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. ومن الضروري بالتالي أن تبني الدولة نظامها الجبائي على أسس سليمة قوامها سيادة القانون والمساواة للجميع أمام الضرائب.

ويعدّ النظام الجبائي التونسي من الأنظمة الحديثة الخاضعة للتقنين الجبائي، حيث توجد العديد من المجلاّت القانونية التي تنظّم القطاع الضريبي رغم تشعّبها وافتقارها في البعض من الأحيان إلى الدقة والوضوح، مثل مجلّة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيّين والضريبة على الشركات ومجلّة تشجيع الاستثمار ومجلّة الحقوق والإجراءات الجبائية ومجلّة الجباية المحليّة.

كما أن المشرّع التونسي أقرّ البعض من الضمانات لفائدة المطالبين بالأداء في إطار المراقبة الجبائية مثل واجب تحرير المحاضر وفقا للقانون واعتماد الإجراءات الكتابية في التعامل بين الإدارة والمواطن.

ورغم خضوع النظام الجبائي في تونس لمنظومة قانونية محدّدة إلاّ أنه يعاني من العديد من النقائص لعلّ أبرزها خرق مبدأ الرقابة الجبائية وتطويعه لفائدة أشخاص أو جهات معيّنة وهو ما أدّى إلى استشراء الفساد وتفشّي ظاهرة التهرّب الضريبي دون محاسبة.

وتتحكم إدارة الجباية في المنظومة الجبائية وهي الجهة المخوّلة لتأويل النصوص القانونية الجبائية وذلك عن طريق المناشير والمذكرات، ويمكن لهذه الإدارة أن توظّف صلاحياتها الواسعة في التفتيش والحجز وتسليط العقوبات الإدارية والجزائية لخدمة مصالح ضيقة أو للضغط على أصحاب المؤسسات.

ويبدو أن إصلاح النظام الجبائي يجب أن يشمل الناحية التشريعية أساسا وذلك بوضع قوانين جديدة تكرّس العدالة الجبائية من خلال إلغاء أنظمة الامتيازات الجبائية وتشريك كافة الأطراف الفاعلة من حقوقيّين وخبراء في الاقتصاد لصياغة التوجهات المالية للبلاد.

ويضطلع النظام الجبائي بدور محوريّ في تفعيل العدالة الاجتماعية عبر توزيع عادل للثروة والمداخيل وتوجيه النفقات العمومية في مشاريع من شأنها أن تحسّن ظروف المواطنين.

وكانت الموارد الجبائية لتونس قبل الاحتلال الفرنسي تتكون من الضرائب العقارية والفلاحية التي يدفعها المواطنون خلال حملات عسكرية تشارك فيها البعض من القبائل المتحالفة مع الباي والمعفاة من دفع الضرائب.

ومع الاحتلال الفرنسي توسّعت الموارد الجبائية لتشمل قطاعات وأنشطة جديدة مثل النقل والتجارة، إلى جانب ظهور فئات اجتماعية من عمّال بالمناجم وموظفّين وأطباء يدفعون العديد من الضرائب مثل الضريبة على الأجور والمساهمة الشخصية للدولة.

وحافظت الدولة التونسية بعد الاستقلال على نفس النظام الجبائي المعمول به في فترة الاحتلال ولكنّها رفّعت في نسبة الضرائب مع بروز مشكلات اجتماعية واقتصادية لم تكن قادرة على احتوائها وحلّها، لتقوم في فترة الثمانينات بإصلاح هيكلي لهذا النظام الذي لم يحقق العدالة الاجتماعية المرجوّة نظرا إلى طبيعة النظام القائم آنذاك (نظام قمعي).

وتحتاج تونس اليوم إلى إصلاح حقيقي للنظام الجبائي الذي كان مطيّة للإثراء غير المشروع على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة، فالمنظومة الجبائية الحالية لا تحترم مبدأ المساواة أمام القانون ولا يمكن لها أن تساعد على توجيه المشاريع الاستثمارية نحو قطاعات حيوية قادرة على خلق أكبر عدد ممكن من مواطن الشغل.

5