العدالة في عالم مقلوب

الاثنين 2015/08/03

يحتلّ الحديث عن العدالة ووجوب تطبيقها محور نقاش كثير من المؤتمرات الدوليّة والمحلّيّة على صعيد العالم، وينادي الكلّ بضرورة إحقاق الحقّ والسعي لتسييد العدالة وتعميم منافعها على البشريّة، لكنّ هذا الحديث وذاك السعي النظريين يظلّان بعيدين عن حيّز التطبيق العمليّ، وكأنّ القوى الغربيّة المتحكّمة، تطبّق القاعدة الأولى في خرق القوانين وهي أنّ القانون يوضع ليخترق، فتكون تلك القوى التي تزعم وضع القوانين وتدّعي النهوض بأعباء وواجبات تطبيقها أوّل من يخترقها ويتجاوزها. وكأنّ العدالة تطبّق على المستضعفين والمستعمرين فقط، في حين أنّ تلك القوى تظلّ بمنأى عن أيّة عدالة، وخارج المساءلة والمحاسبة.

يعكس البحث عن تسييد قيم العدالة وإحقاقها تناقض النظام العالميّ الجديد المبنيّ على القوّة والعنف، بعيدا عن أيّ التزام بأيّة قوانين، إلّا تلك التي توضع في خدمتها وتمهّد لتنفيذ سياساتها. والمفارقة الأكثر مرارة ومأسويّة تكمن في النظرة الفوقيّة التي تحكم مقياس تلك القوى المهيمنة، وهي تقسيم الشعوب إلى نوعين، شعوب قاصرة لا يمكنها تحقيق العدالة، ولا بدّ من التدخّل لمساعدتها قصد النهوض بها في سبيل البحث عن العدالة، وهذه مزاعم تهيّئ للتدخّل وتبرّر الاحتلال المعاصر. والنوع الآخر الذي تحصره بنفسها، حيث شعوب متحضّرة تدرك قيمة القانون والعدالة وتجاهد لتعميمها، وإن كان ذلك على حساب دماء آخرين بعيدين.

وصف الروائي الأورغوايانيّ إدواردو غاليانو (1940 - 2015) العالم المعاصر بأنّه عالم مقلوب، حيث سلّم القيم فيه مقلوب، والأحكام والقوانين توضع على الرفّ ويتمّ التغاضي عنها حين يتعلّق الأمر بالقوى صاحبة النفوذ والفيتو، في حين أنّه تتمّ الاستعانة بها حين يتعلّق الأمر بآخرين أقلّ قوّة ونفوذا.

من الأسئلة التي أطلقها غاليانو لفضح الزيف العالميّ: هل العدالة عادلة؟ من هو الإرهابيّ؟ من استهدف أم من استهدف؟ أليس القاتل المتسلسل الذي اخترع عبر الكذب الحرب على العراق واغتال عددا كبيرا من الناس وشرعن التعذيب وأمر بتطبيقه مذنبا بالإرهاب؟ لماذا لا ترى العدالة إلا بعين واحدة؟ إذا كانت العدالة الدولية موجودة حقا، فلماذا لا تحاكم الأقوياء أبدا؟

لماذا لا يمكن التعرّض للقوى الخمس العظمى التي تتمتع بحق النقض في الأمم المتحدة؟ هل هذا الحقّ إلهيّ؟ هل من العدالة أن تتولّى القوى الخمس المنتجة الرئيسية للأسلحة مسؤولية السلام العالميّ؟ هل العالم الذي يخصّص كلّ دقيقة ثلاثة ملايين من الدولارات على النفقات العسكرية في حين يموت في الوقت نفسه خمسة عشر طفلا جوعا أو بسبب مرض قابل للشفاء هو عالم عادل؟

أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات، برغم أنّ جوانب وتفاصيل منها مكشوفة للجميع.

كاتب من سوريا

15