العدالة والتنمية المغربي يتأرجح بين مرجعيته الدينية ومتطلبات الحكم

يواجه حزب العدالة والتنمية المغربي امتحان الوضوح حول هويته وأطروحته السياسية ومدى ارتباطه بالحركة الإسلامية العالمية، ورغم تأكيدات قادته على قيامهم بمراجعات جوهرية دعّمت البعد السياسي وخففت من ثقل البعد الدعوي، إلا أن موجة النقد والاتهامات بازدواجية الخطاب، مازالت تلاحقه إلى اليوم.
الجمعة 2015/06/05
الحزب الإسلامي يواجه امتحان الوضوح حول هويته

الرباط - مازال حزب العدالة والتنمية المغربي والقائد للائتلاف الحكومي برئاسة عبدالإله بن كيران، يعيش حالة من الارتباك بخصوص هويته السياسية، فتارة يؤكد قياديوه على أن الحزب سياسي ذو نهج إصلاحي، وتارة أخرى يقرّون بمرجعيته الإسلامية ويكشفون عن أصولها وارتباطاتها بالحركة الإسلامية العالمية، وطورا يتنصّلون من تنظيم الإخوان بالتأكيد على أنهم قاموا بمراجعات جوهرية تنفي كل التهم والأحكام المسبقة.

ولم تشفع كل التصريحات والتبريرات التي قيلت ومازالت تقال على لسان قادة الحزب وأولهم بن كيران الذي أكد في آخر تصريح له، أمس الأول، على أن حكومته وحزبه (العدالة والتنمية) ليسا إسلاميين، عند أحزاب المعارضة التي تعتبر حزبه امتدادا فكريا وسياسيا لتنظيم الإخوان المسلمين.

وأوضح بن كيران، في تصريحات لوكالة الأنباء الأسبانية، أن أجندته السياسية عندما تم تشكيل الحكومة سنة 2012 لم تكن أيديولوجية، ولكنها كانت تسعى أكثر إلى “حل مشاكل المواطنين في خضم أحداث الربيع العربي”.

وسبق أن نفى رئيس الحكومة المغربية، انتماء حزب العدالة والتنمية إلى مظلة حركة الإخوان المسلمين، وشدد على أن الحركة الإسلامية المغربية لها فكرها الخاص، وأن الناس صوتوا لها خلال الانتخابات التشريعية، لكونها حزبا سياسيا.

ويدافع أنصار العدالة والتنمية المغربي عن هذا الطرح بالتأكيد على أن الإسلام منطلق للاجتهادات السياسية والمشاريع المجتمعية للحزب ولكن مرجعيته لا تعني أنه وصيّ على الدين وناطق باسمه، معتبرين أن المعارضة تقرن إخفاقات الحزب وأخطائه في الحكم بمرجعيته الدينية عوض تقييم أدائه بموضوعية.

الجدير بالذكر أن الأحداث الإرهابية التي عرفها المغرب سنة 2003 كان لها تأثير على الأحزاب الإسلامية وأولها حزب العدالة والتنمية الذي وجد نفسه مضطرّا للقيام بمراجعات شاملة، حيث أكد سعد الدين العثماني، وزير الخارجية السابق، أن حزبه “عازم على الإقدام بشجاعة على تقييم مسيرته وإصلاح ما يجب إصلاحه ومراجعة أساليب عمله والقيام بالنقد الضروري”، غير أن هذه التصريحات التي أيّدها شقّ واسع من المغاربة ظلّت شعارات لأنها لم تخرج من فلك أطروحات الحاكمية ببعديها العقدي والسياسي.

ففي مؤتمره الخامس سنة 2003، سلّط حزب العدالة والتنمية الضوء على أبرز النقاط المحورية التي شملها النقد، وأكد على وجوب الانكباب على وضع حلول عاجلة لمشاكل المواطنين والقضاء على الفساد، مفيدا بأن حزبه يحترم مكاسب المغرب الحقوقية ورصيد الحريات الفردية والجماعية التي يتمتع بها المواطنون، ولكن محلّلين اعتبروا أن الحزب آنذاك لم يقم بالمراجعات المطلوبة باعتبار أنه لم يستثن من النقد القطعيات في الشريعة الإسلامية والتي دائما ما كانت محلّ منازعات واختلافات.

هذا الارتباك في تحديد هوية الحزب وطابعه والذي ظل يحوم بين “التحريم واللاتحريم”، جعل الحزب في وضعية الدفاع خاصّة بعد وصوله إلى سدّة الحكم، حيث أكدت جلّ قياداته على أنهم لن يعملوا على المساس بالحريات وأن الهدف هو الاشتغال على الملفات الكبرى مثل التعليم والصحة والتشغيل.

أحزاب المعارضة المغربية تعتبر العدالة والتنمية امتدادا فكريا وسياسيا لتنظيم الإخوان المسلمين

وبالعودة إلى المبادئ المؤسسة للحزب الحاكم اليوم في المغرب يمكن التأكيد أنه كان منذ سنة 1996 حاملا لمشروع إسلامي إخواني وهو مشروع حركة التوحيد والإصلاح التي تقرّ في أدبياتها بأنها تعمل على تحكيم الشريعة الإسلامية في كامل المجالات الحيوية ومعلوم ارتباطها بالتنظيم الدولي.

وكان برنامج العدالة والتنمية المغربي خلال انتخابات 2002 يقوم على تفعيل إسلامية الدولة ومراجعة القوانين بما يتلاءم مع مقاصد الشريعة.

ويؤكد الباحث المغربي امحمد جبرون في هذا الصدد، على أن وثيقة “النضال الديمقراطي مدخلنا إلى الإصلاح” التي تشكل أطروحة الحزب في أربع سنوات (من 2008 إلى 2012) لم تحسم، بشكل مطلق، في انتقالها من خطاب الهوية إلى خطاب التدبير وإن حاولت من الناحية النظرية أن توازن بين المطلبين، فهي لم تعكس رغبات “التدبيريين” كاملة، ولم تلب طموحات “الهوياتيين” مجتمعة.

وعاد الجدل حول هوية حزب العدالة والتنمية ومحاولته أسلمة المجتمع المغربي إلى العلن منذ إعلان وزارة العدل عن مشروع القانون الجنائي، فقد أكد حقوقيون أن الحزب يريد أن يجعل من وجوب احترام الطقوس والشعائر الدينية، في هذا القانون، مطيّة لاضطهاد من لا يؤمن بها ويمارسها، مشيرين إلى أن القانون الجنائي غيّب كليا الأديان والديانات الأخرى مثل اليهودية التي تعدّ أحد مكونات الهوية المغربية، فالتوجه العقابي في القانون أحادي باعتبار أن الحديث عن “ازدراء الأديان” يخص الدين الإسلامي فقط.

ويبدو أن إسلاميي المغرب يريدون تحويل الإيمان إلى شاغل سياسي بتشديد العقوبات الزجرية على كل مواطن يجاهر بإفطاره أو بأفكاره، وهو ما يعكس حسب صلاح الوديع مؤسس حركة ضمير في المغرب، “قصور المقاربة الإسلاموية عن التفاعل العقلاني مع تحولات المجتمع”.

2