العدالة والتنمية المغربي يسير الحكومة ببراغماتية تخدم أهدافه

سعى باحثون في العلوم السياسية والحركات الإسلامية إلى دراسة تجربة الحكم لحزب العدالة والتنمية المغربي، وخلصوا أن الحزب المتفرع عن تنظيم الإخوان المسلمين العالمي غير مواقفه بحسب ظروف الحكم واستعمل مرجعيته الإسلامية فقط للتأثير على الناخبين دون أن يقدّم على أرض الواقع استجابة لتوقعات الشعب المغربي.
الأربعاء 2017/11/01
أزمة تحت الأضواء

الرباط – يمر حزب العدالة والتنمية المغربي بأزمة تنظيمية بسبب صراعات بين أجنحته القيادية. وأجمع خبراء على أن حزب العدالة والتنمية مارس العمل السياسي والتسيير الحكومي بعقلية براغماتية أثناء تسييره لشؤون الدولة، وأيضا في علاقتها بالخصوم السياسيين.

وأوصلت هذه الممارسات الحزب إلى درجة عدم تمكّنه في تنفيذ برنامجه الانتخابي رغم الإمكانيات التنظيمية الكبيرة التي لديه والتي مكّنته من تصدر قائمة الفائزين في الانتخابات التشريعية في 2011 و2016.

وأبرز الدكتور حواس سنيجر الباحث في الحركات الإسلامية بجامعة ليون الفرنسية، خلال ندوة دولية احتضنتها كلية الحقوق بأكادير السبت الماضي، أن حزب العدالة والتنمية من خلال وزنه الانتخابي استطاع الاستئثار بأكبر عدد من الوزارات.

وقال إن الحزب الإسلامي استفاد كثيرا من الدولة ومن إمكانياتها، إذ لم يتوان في خدمة مواقفه الأيديولوجية كلما أتيحت له الفرصة باعتماد قرارات وممارسات وتصريحات من قيادييه.

واضطر قياديو حزب العدالة والتنمية للقبول بحقيقة الأمر التي تتمثل في أن مؤسسات الدولة أقرب إلى العلمانية من التدين. لكن حواس يقول إن قيادات الحزب لم تتردد في تذكير المغاربة بالمرجعية الإسلامية للحزب وشعاراته التي ترتكز على الأخلاق والانضباط لتعاليم الدين.

وبحسب الخبير الفرنسي سعى أنصار حزب العدالة والتنمية إلى التكيّف مع طبيعة النظام العام الذي تتبعه مؤسسات الدولة في المغرب، لكن رغم ذلك عرفت علاقة الحزب بالدولة احتكاكات في مجموعة من المواقف والقضايا.

وأكد محمد سعيد السعدي، الخبير الاقتصادي والوزير السابق، أن العدالة والتنمية الحاكم لم يقدّم مشروعا مجتمعيا بديلا “بل استمر على غرار الحكومات السابقة في تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي غير الشعبية”. وأضاف أن هذا الأمر “زاد من حدة ارتهان الاقتصاد المغربي لقروض هذه المنظمة المالية وتخلي الدولة عن توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين”.

ويرى السعدي أن هذا الأمر تسبب في الاحتقان الاجتماعي، وأدّى إلى تفقير الطبقة المتوسطة التي أضحت عاجزة عن تحريك الطلب الداخلي.

وقال سنيجر إن “حزب العدالة والتنمية رغم تسلمه مفاتيح السلطة، فإنه عجز على إحداث تغيرات جذرية في المجتمع المغربي وإنتاج مشروع مجتمعي جديد”.

وأوضح أنه كان مفروضا على الحزب المغربي المتفرع عن تنظيم الإخوان المسلمين التنسيق مع باقي المكوّنات السياسية ومع القصر الملكي، مما دفعه إلى إعادة النظر في شعاراته وأولوياته ومراجعة مستمرة لأيديولوجيته. ودعا سنيجر حزب العدالة والتنمية إلى توضيح علاقته بحركة الإصلاح والتوحيد الدعوية، مع ملاحظة أن الحزب يحاول التوفيق بين براغماتيته السياسية ومبادئه الفكرية.

وشدد الباحث في الجماعات الإسلامية على أنه “من حق العدالة والتنمية أن يكون حزبا دينيا، ولكن ليس من حقه فرض تديّنه على المجتمع” المغربي.

وقدّم السعدي معطيات وأرقام تثبت فشل ما أسماه بـ”الحكومة الإسلامية” في تحقيق شعار محوري من شعاراتها، وهو محاربة الرشوة ونشر الأخلاق في المجتمع.

ويعيش حزب العدالة والتنمية، خلال الأشهر الأخيرة، وضعا تنظيميا مرتبكا أثّر على تركيبة الحزب والعلاقات داخل القيادة من جهة ومع القاعدة من جهة أخرى.

وأبرز أحد قيادي العدالة والتنمية أن الحزب غرق في نقاش تنظيمي يكاد يقسمه إلى طائفتين أو أكثر، بدل مناقشة تصوّرات سياسية مبنية على معطيات ومستجدات يعرفها المغرب في سياقيه المحلي والدولي.

وأوضح حسن زواوي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بأكادير، أن حزب العدالة والتنمية استعمل “البراغماتية السياسية” التي من خلالها حرص على مصالحه الانتخابية مع التوفيق بين المرجعية المذهبية الدينية وقواعد العمل داخل الحقل السياسي. وقال إن “هذا ما جعل الحزب، ذي المرجعية الإسلامية، لا يتوانى في الانخراط في برنامج حكومي يحمل صبغة علمانية”.

وأكد محمد الهاشمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، أن حزب العدالة والتنمية لم يكن يمتلك السلطة السياسية الفعلية حيث كان ينفذ ما يطلب منه فقط ولم يكن لديه هامش من الحرية في خياراته.

واعتبر الهاشمي أن قيام العدالة والتنمية بالمعارضة من داخل حكومة تقودها ممارسة غير عادية، تستحق الدراسة والتحليل الأكاديمي.

وأقر عبداللطيف برحو، البرلماني عن العدالة والتنمية، أنه “بدل أن نضع حلولا سياسية ومجتمعية وتنموية لمشكلات المغاربة، غرقنا في الجدل حول من يجب أن يكون أمينا عاما”.

وقال برحو إن “الأمانة العامة بدت غير قادرة على التوافق حول منهجية واضحة للعمل السياسي منذ وقت طويل، والأخطر أنها كمؤسسة لم تعد قادرة على صياغة مشروع سياسي متوافق عليه”.

ولاحظ زواوي أن العدالة والتنمية غيّر مواقفه بحسب الوقائع والظروف المختلفة. كما يرى أن الحزب مارس نوعا من التقية من خلال عدم الإعلان عن أولوياته، واعتمد “خطاب الاستمالة” على طريقة المعارضة رغم موقعه كحزب حاكم.

وقال إن هذا الخطاب “شعبوي” يستهدف التأثير على الناخبين ومكّن الحزب من العودة بقوة إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع، رغم قراراته غير المنسجمة مع حاجيات الشعب المغربي.

وأكد سعدي أن الإسلام السياسي في المغرب، من خلال تجربة العدالة والتنمية في الحكم، أثبت فشله في تقديم حلول لمشكلات المجتمع وتحقيق التنمية.

4