العدالة والتنمية في صراع مفتوح مع الأصالة والمعاصرة قبل الانتخابات

يسعى حزب العدالة والتنمية إلى تثبيت موقعه على الساحة المغربية عبر الانتخابات التشريعية، ولكن ذلك لن يكون بالأمر السهل في ظل قوة منافسه الأصالة والمعاصرة، فضلا عن الانشقاقات التي شهدها مؤخرا، وغياب ثقة الدولة به رغم حالة التطبيع القائمة بين الطرفين.
الأحد 2016/08/07
المعركة مع الأصالة لا سقف لها

الرباط – تضاعف منسوب الصراع بين الهيئات والشخصيات الحزبية بالمغرب قبل استحقاقات 7 أكتوبر الانتخابية، وتتركز أنظار المراقبين بشكل خاص على الثنائي الحزبي العدالة والتنمية وغريمه السياسي الأصالة والمعاصرة نظرا لتموقعهما وثقلهما داخل المشهد السياسي وللاستقطاب الذي صنعته مشاحناتهما الكلامية ومناكفاتهما غير الودية التي لم تهدأ منذ سنوات خلت.

ويظهر أن خروج مجموعة من القياديين من صفوف العدالة والتنمية والتحاقهم مؤخرا وعلى بعد شهرين من الانتخابات التشريعية بالحزب المنافس الأصالة والمعاصرة، يبرز درجة الصراع وطبيعته وأدواته بين الحزبين. خصوصا وأن أكثر من ملاحظ حذّر من أن هذه الانشقاقات الأخيرة داخل حزب العدالة والتنمية يمكنها أن تضرب وحدة الحزب التنظيمية وتؤثر على صورته داخل المجتمع والقاعدة الانتخابية.

وأكد أناس المشيشي، الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعـة فاس في حديثه لـ”العرب”، أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن انشقاق في البنية التنظيمية للعدالة والتنمية وذلك لغياب تيارات داخل الحزب خصوصا في خانة الصف الأول من القادة بالرغم من وجود مقاربات مختلفة داخله في التعامل مع الوضعية الحالية نتيجة تصريحات غير محسوبة للأمين العام عبدالإله بن كيران.

بالمقابل يرى عثمان الزياني، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، في تصريحات لـ”العرب”، أن حزب الأصالة والمعاصرة “يبقى غصة في حلق حزب العدالة والتنمية” الذي يدعو دائما إلى فصله عن الدولة، في ظل محاولات حزب العدالة والتنمية تكريس نوع من الهيمنة والتحكم والاستئثار الكلي بالمشهد السياسي والحزبي.

إنّ ما يعيشه حزب العدالة والتنمية من انسحاب بعض المسؤولين والمنتمين له كما حدث في كل من مدن فاس ومراكش وأسفي يبين، حسب الأستاذ أناس المشيشي، أن بنية الحزب لا تشكل استثناء في الظاهرة الحزبية بالمغرب من الصراع على ترأس اللوائح لتحقيق طموحات شخصية.

الدولة المغربية لا تتعامل مع الأحزاب السياسية بمنطق الثقة بل بمنطق مشروعيتها وامتدادها في الشارع

وأوضح الباحث في علم السياسة فكرته في أن بنية الحزب عادية تتأرجح بين الانضباط لهيئات الحزب والتمرد على هذه القرارات إما لأسباب موضوعية كغياب الشفافية والكولسة في اختيار المترشحين حسب الاتّباع أو المناصرين لهذا المترشح أو ذاك خصوصا أمام رصد ظاهرة تصدّر نفس الوجوه في الحزب للوائح الانتخابية مما يحرم مناضلين من الصف الثاني أو الثالث من البروز، أو لأسباب شخصية تكمن في الرغبة في الوصول إلى البرلمان.

وأضاف الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعـة فاس، أن هناك أسباب تنظيمية دعت إلى انسحاب مناضلين من حزب العدالة والتنمية والتحاقهم بالأصالة والمعاصرة، بالمعنى الذي يكرس في اختيار المترشّحين منطق الثقة قبل الكفاءة وبالتالي ستجد نسبة كبيرة من المتصدّرين للوائح الانتخابية للحزب قادمة من الجناح الدعوي للحزب أي من حركة التوحيد والإصلاح.

لكن ما يثير الاستغراب عند أناس المشيشي، ويستحق الدراسة والتحليل، هو البحث عن أسباب لجوء مناضلي الحزب إلى الخصم الأول أي حزب الأصالة والمعاصرة بدل أحزاب تتقاسم مع الحزب نفس المرجعية كحزب الاستقلال مثلا.

وعطفا على ما سبق يطرح سؤال سلوك حزب العدالة والتنمية داخل الدولة وهل يمكننا الحديث عن انعدام ثقتها في الحزب ذي المرجعية الإسلامية، سؤال أجاب عنه الأستاذ عثمان الزيّاني، مؤكدا أنه من خلال تتبع السلوك السياسي للحزب ومنطق اشتغاله على مدار السنوات الخمس للولاية الحكومية يمكن القول إن هناك تطبيعا تاما مع الدولة من خلال جملة القرارات التي تم اتخاذها وتزكيتها من طرف الحزب باعتباره هو من يقود الحكومة.

لكن هل يعتبر هذا شيكا على بياض تقدمه الدولة لحزب عبدالإله بن كيران، هذا ما أجاب عنه عثمان الزياني، مؤكدا أن الثقة الكلية في حزب العدالة والتنمية من طرف الدولة غير موجودة لأن منطق اشتغال النظام السياسي والملكية في حد ذاتها ينبني على أساس عدم إمكانية تشكل أيّ قوة حزبية يمكن أن تنازعها في شرعيتها ومشروعيتها، وبالتالي فهي دائما تنهج التغيير على مستوى النخب، والتاريخ السياسي المغربي شاهد على ذلك، فكل مرحلة سياسية لها نخبها تتغير بحسب استراتيجية السلطة والحكم.

وفي هذه النقطة بالذات أكد أناس المشيشي في حديثه لـ”العرب”، أن الدولة المغربية لا تتعامل مع الأحزاب السياسية بمنطق الثقة بل بمنطق مشروعيتها وامتدادها في الشارع، أي أن جميع الأحزاب السياسية تحظى بثقة الدولة بمجرّد الترخيص لها.

وتواصلت أطوار المواجهة بين الحزبين الغريمين تحت قبة مجلس المستشارين الجمعة 5 يوليو، حيث اتهم عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس فريقه بالغرفة الثانية، عزيز بنعزوز، رئيس الحكومة، عبدالإله بن كيران، بابتزاز الدولة والمجتمع، وذلك بحديثه عن “وجود دولتين في المغرب، وهو ما سبّب نفورا من الاستثمار في المملكة”.

وأشار عثمان الزياني إلى أن حديث رئيس الحكومة عن “ازدواجية الدولة” بعدما تم تداول تعبير “مواجهة التحكم”، واقترانه بفترة اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعتبر مجرد دعاية انتخابية سابقة لأوانها وصكّ تبرير للكثير من القرارات التي اتخذتها الحكومة في تدبير السياسات العمومية التي لاقت معارضة شعبية كبيرة.

ولفت الأستاذ الجامعي إلى أن هذه المسألة يمكن أن تنسف علاقة العدالة والتنمية بالدولة خصوصا وأنه مازال في موقع المسؤولية، وبالتالي فقول بن كيران إن هناك ازدواجية للدولة، دولة رسمية وأخرى موازية تباشر التعليمات والتعيينات، يكرس نوعا من استمرارية نهج خطاب المظلومية وممارسة المعارضة والإيهام بالاصطفاف إلى جانب الشعب مع قرب المواعيد الانتخابية.

وفي كلمة عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس فريقه بالغرفة الثانية، عزيز بنعزوز، أكد أن “الحكومة وعلى امتداد السنوات الخمس التي تولت فيها السلطة تنتج الكلام والسبّ والشتم للجميع من طرف رئيسها، عوض الحوار الصريح والهادئ”.

وتساءل عثمان الزياني، حول كيف يتم الحديث عن الازدواجية خصوصا وأن عبدالإله بن كيران قام باتخاذ الكثير من القرارات وعمل على تزكيتها ومباركتها ضدا على الكثير من الفئات الشعبية، لدرجة التعبير عن السعادة والانتشاء بتمرير قانون التقاعد الذي أثار الكثير من الجدل والنقاش وكأنها انتصارات شخصية/حزبية، حتى وإن كانت ضد المصلحة العامة. كما أن استمرار رئيس الحكومة في اعتماد نوع من الالتباس والإبهام على مستوى تحديد عناصر هذه الدولة الموازية التي تهدد استقرار المغرب فيه نوع من التغليط والمغالطة والتغطية على حالات العجز والفشل في تدبير الكثير من الملفات على مستوى التدبير الحكومي.

وبحسب الزياني، فإن الحزب يعتمد مثل هذا الخطاب لإحداث نوع من المشاغلة للرأي العام الوطني وجعل الحركة المركزية في النقاش هي مشكل ازدواجية الدولة بدل تركيز الرأي العام على مكامن الفشل الحكومي.

2