العدد العاشر من "الجديد" كتابات وأفكار من عالم عربي مضطرب

تواصل مجلة “الجديد” الشهرية الثقافية العربية الجامعة، التي تصدر من لندن وتوزع في أوروبا والعالم العربي، في عددها العاشر (نوفمبر 2015)، رحلتها مع الأدب والفكر والفن، عبر كتابات وتخطيطات لـ37 كاتبا وشاعرا وقاصا وروائيا وفنانا من مختلف الدول العربية. وتواصل إثارة القضايا العربية الراهنة سواء ما تعلق منها بالأدب والشعر وواقع كل منهما، أو ما تعلق بمسألة الهوية التي تعدّ سؤالا محوريا اليوم، كما تستجلي المجلة واقع بعض المجتمعات العربية من خلال نشرها لنصوص فكرية وأدبية عن يوميات وتفاصيل ممّا تعيشه. ولم يغفل هذا العدد الانفتاح على تجارب كتابية مختلفة كما جرت العادة، سواء من كتاب عرب أو أجانب.
الثلاثاء 2015/11/10
نصوص إبداعية تغامر وأخرى فكرية تفكك راهن الثقافة والاجتماع

تتصدر العدد العاشر من مجلة “الجديد” (نوفمبر 2015) افتتاحية رئيس التحرير نوري الجراح بعنوان “لغة الأسئلة ردا على لغة الإبادة: بأي لغة يكتب الشاعر العربي في زمن تراجيدي؟”، أضاء فيها جملة قضايا ومفاهيم ملتبسة وجوهرية، فرضتها تحولات بنيوية وجمالية في التجارب الشعرية العربية، تتعلق بالمسافة بين حرية الشاعر وكيان اللغة، والمغامرة الشعرية وعلاقتها بالزمن والتجارب الإنسانية، والسؤال الذي لا ينفكّ يُطرح حول وظيفة الشعر. ومن أبرز ما كشفت عنه هذه الإضاءة أن الشعر أصبح أصفى وباتت رهافته أكثر بروزا، رغم التعقيد اللغوي الذي ميّز بعض أفضل التجارب الشعرية العربية الجديدة، وأن شاعر القصيدة الحديثة حرر نفسه من وطأة فكرة الوظيفة، بعدما قطع شوطا بعيدا في تحرير شعره منها، فلم يعد يأبه للمقولات القديمة، ولا للممارسات النقدية التي كالت لشعره الاتهامات. لكن ذلك لم يمنعه أبدا من اقتحام أرض الصراع الإنساني مع قوى الشر والاستبداد والجريمة، والتعبير من ثمة، بلغة جديدة، عن التراجيديا الإنسانية بوصفها تراجيديا شخصية.

نصوص متنوعة

يتضمن العدد نصوصا أدبية وفكرية متنوعة من عالم عربي مضطرب، قصصا وقصائد، ومقالات تغامر في أرض الجمال، وتتفكر في الذات وعالمها، وتتضافر لتشكل فصوصا في لوحة الأسئلة الفكرية والاجتماعية القلقة، عاكسة ما يعصف بالعقل العربي من أسئلة وما يعتمل في وجدان المثقفين في هذه اللحظة الفارقة من حياة العرب في علاقتهم بأنفسهم وبالعالم.

الناقد السوري خلدون الشمعة كتب مقالا بعنوان “مخاطبة الصم في عالم يحترق” عن المترجم الأميركي عمر باوند وترجمته المهمة لمختارات من الشعر العربي والفارسي إلى الإنكليزية. والمترجم هو ابن الشاعر الشهير عزرا باوند، وقد أطلق عليه هذا الاسم تيمنا بالشاعر عمر الخيّام. ويرى الشمعة أن هذه المختارات تختلف اختلافا نوعيا عن أي ترجمة أخرى للشعر بأي لغة من اللغات، ويجد أن أفضل صفة تعبّر عنها هي “الترجمة عبر- الثقافية”.

من مقالات العدد أيضا: “لغة الكتابة عند المرأة العربية” لوفاء بونابي بن صالح، و”مراوغة الذات ومصارحة القلم” لهاني حجاج، و”الربيع العربي ودولة المواطنة” لإبراهيم الحيدري، و”التاريخ يعيد نفسه: حرب الألفية بحلة شيعية وسنية وكردية” لهامان علي، “العقلانية الرشدية” لحسام أبوحامد، “رؤية لفهم التاريخ” لباسم فرات، “صدام اللغة والأيديولوجيا” لسلامة كيلة، “بؤس المثقف الشيوعي” لعمار ديوب، “مفهوم النص الموازي عند إدوارد سعيد” لعواد علي، “قراءة في مسرحية محاولات وأد الربيع اغتيال الأحلام” لهيثم حسين، و”الإسلاميون والثقافة” ليسري الغول.

الناقد خلدون الشمعة كتب مقالا بعنوان "مخاطبة الصم في عالم يحترق" عن المترجم الأميركي عمر باوند

في باب اليوميات نشرت المجلة للكاتبة السورية هبة حسن “دمشقية بين ظهراني داعش”، و”كأنها بوابة رواية” للكاتب والقاص العراقي علي السوداني. تروي هبة حسن، وهي شابة وناشطة سورية من محافظة أدلب، مشاهداتها في محافظة الرقة، التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وباتت بحكم النقطة السوداء، لما يخص الواقع المعيشي، وانعكاسات حكم التنظيم للمدينة، إثر تمكنها من زيارة أقارب لها في تلك المحافظة.

وكانت وكالة “أنا برس” قد حصلت على حق نشر تلك المشاهدات في شهر أغسطس الماضي. احتوى العدد على دراسة واحدة للكاتب محمد علي إبراهيم باشا “التفسيرات السيكولوجيةوالسوسيولوجية للتفرقة الإثنية”، يتناول فيها مقاربتين سايكولوجيتين لفهم التوجهات المتميزة، والأسباب التي يعلّق أناس كثيرون من أجلها أهمية خاصة على الفوارق الإثنية.
تعتمد المقاربة الأولى على أن التمييز يدور في أساسه من خلال النمذجة والتفكير التنميطي، أو إسباغ خصائص ثابتة أو متصلبة على جماعة بشرية ما. وترى المقاربة الثانية أن ثمة نوعا من الناس تتحكم فيهم اعتبارات تنشئتهم الاجتماعية المبكرة، وتجعلهم ميّالين أكثر من غيرهم إلى التفكير التنميطي أو الإسقاطي الذي يمثل نزعة الفرد إلى إسقاط رغباته وفورات مزاجه ولحظات غضبه على الآخرين.

الشعر والمسرح

في باب الشعر تضمن العدد تسع عشرة قصيدة للشاعر نوري الجراح تحمل عناوين مثل “خروج من باب”، “واقعة قديمة”، “المحاولة القصوى”، “أنشودة الطفلات الثلاث في الطريق”، “نعلك الأصفر”، “أجنحة إيكاروس وقالب عوليس”، و”صفارة المنقذ”، إلخ… لكن ثمة عنوانا رئيسيا يجمع هذه القصائد هو “هواء خفيف”، وكأن الهواء هنا يحمل صوت الشاعر، الذي تمتزج فيه نغمات الحاضر بإيقاعات الأساطير وإيحاءاتها الرمزية، إلى آفاق بعيدة، ليمرّ على عوالم وذوات أثيرة إلى نفسه، لا شك في أنها تشكّل هاجسا عميقا في وجدانه. وتتميز هذه القصائد بجدتها وشاعريتها المغايرة، في الرؤية والأسلوب، لتجاربه الشعرية السابقة ذات النفس الملحمي.

المفكر أحمد البرقاوي ابن الفلسفة وعاشقها

ونشرت المجلة في هذا العدد نصا مسرحيا ذا منحى شعري بعنوان “ما تقوله درة الأرض” للكاتب الفلسطيني عبدالرحمن بسيسو، تجري أحداثه في مقبرة للشهداء، تأخذ شكل بيضة كبيرة قُطع ربعها المطل على قاعة المسرح، فيما أرباعها الثلاثة المتبقية تحتل خشبة المسرح بأكملها. وتتألف شخصياته من ثلاث فتيات كالفراشات يمثلن رسل التاريخ، وحفار القبور وشبحا، إضافة إلى مجموعة تتكون من خمسة عشر شخصا. ويجسد النص المكانة السامية للشهداء الفلسطينيين، الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل الحرية، في ضمير شعبهم. وعنوان النص يشير إلى هذه المكانة.

شخصيتان ثقافيتان

في باب الحوار حاورت المجلة شخصيتين ثقافيتين عربيتين مهمتين، الأول المفكر السوري أحمد برقاوي، وقد أجرى الحوار معه وسيم السهلي، ابن الفلسفة وعاشقها وطارح أسئلتها إلى جانب جيل من الكتاب والمفكرين الذين يمّموا شطر الفلسفة على مدار أكثر من ربع قرن، ديدنه تحريض الفكر والمجتمع بلغة أدبية حارة، وإيقاظ السؤال عن الذات المفردة وكيانها وعالمها، انطلاقا من الحاجة التاريخية لاستعادتها من ضياعها بين الجموع، ومن ثم توليد أسئلة ثقافية عن إمكانية ولادة مجتمع الذات، ولا سيما بعد ما آلت إليه من تفسخ أيديولوجيات الجموع والجماهير والانضباط العسكري والقبلي والطائفي التي حكمت المجتمعات العربية، وأذابت الشخصية الفردية وصبتها في القالب الجماعي لبنية الاستبداد.

أما الثاني فهو الفنان التشكيلي العراقي المعروف فيصل لعيبي، وريث خمس حضارات مشرقة في التاريخ البشري، وفي الحوار، الذي أجراه معه خالد خضير الصالحي، يكشف عن عالمه الفني ومغامرته الفنية بأفقها الجمالي ومراميها التعبيرية، وعن الحياة في المنفى الأوروبي والحلم العراقي والواقع المفزع والأليم.

أصوات الأفكار

الفنان التشكيلي فيصل لعيبي وريث خمس حضارات مشرقة في التاريخ البشري

الكاتب والباحث العراقي رشيد الخيون كتب في العدد “بورتريها” عن المعماري البغدادي المخضرم محمد مكية (1914- 2015)، سلط فيه الضوء على حياته وتجاربه ودوره الفاعل، إلى جانب المعماري رفعت الجادرجي، في نهضة العراق الحضارية، في الخمسينات والستينات.

ويؤكد الكاتب أن مكية “ترك أثرا في الهندسة المعمارية، بالمزج بين التراث المحلي والعصرنة”، والتزم، طبقا لشهادة الجادرجي، “بثلاثية الإنسان والمكان والزّمان، فالمكان عنده لا يخضع لرغبة المعمار أو الحاكم بقدر خضوعه للزمان قبل كلّ شيء”.

أما أصوات العدد فشارك في كتابتها الشاعر الأردني حكمت النوايسة “عاربة ومستعربة ومعربة”، والشاعر والناقد السوري حسام الدين محمد “أن يكون الشاعر ضمير عصره”. في الصوت الأول يتأمل النوايسة في علاقة الفرد بالمدينة الأم، والمدينة الحلم، والآخر الذي يشكّل مرآته، وإن ألغاه التبس عليه وجهه. ويتساءل كيف يفكّر من أمضى عمره يطلب الديمقراطية في تمجيد الفرد المهووس بذاته؟ وكيف يفكّر من يدّعي أنّه ينشد التنوير في التحزّب لصنم من تمر كلّ أسرار صموده أنّ محيطه لا يحبّ التمر؟

وفي الصوت الثاني يقدّم حسام الدين محمد وجهة نظره في موضوع “مهمات الشاعر في اللحظة الراهنة”، الذي دعت إليه “الجديد” في ملف سابق، مؤكدا أنه يؤمن في أعماقه بأن الشاعر عليه اجتياز امتحان الإنسانية كي يكون شاعرا، وهو لا يستطيع، حسب رأيه، أن يقف في منتصفات الطرق، ولا يمكنه أن ينظر إلى الصراعات الحاصلة من فوق، معتبرا إيّاها “سرديّات” تتصادم، فبوصلة الشاعر الإنسانية والأخلاقية يُفترض فيها أن تجعله في صف المضطهدين والمقموعين ومنتهكي الحقوق المذلولين، على اليابسة وفي البحر، وإلا فالأولى أن يكون مجرما.

سرد وقراءات

المجلة نشرت في عددها العاشر نصا مسرحيا للكاتب عبدالرحمن بسيسو

في باب السرد كتب كل من القصاصين والروائيين: أحمد سعيد نجم “الحبل المشدود”، وارد بدر السالم “في أعماق قلبي لا يوجد إله سواي”، مصطفى تاج الدين الموسى “ثلاث قصص”، راجي بطحيش “فصل من رواية بعنوان جانيت”، أحمد إسماعيل إسماعيل “أهل الحرب”، عزيز العرباوي “أنا واللّيل”، علي لطيف “ميترو الأنفاق”، فيروز إسماعيل “كمال”، وسعد هادي “سواد الليل”.

تضمن العدد أيضا عروضا وقراءات في مجموعة كتب أسهم فيها: ممدوح فراج النابي “الخضر في التراث العالمي” و”ذاكرة القهر: إدانة للجلادين والضحايا معا”، باسم فرات “الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية لتيسير خلف”. كما كتب كل من اللبناني كمال البستاني والتونسي مراد الورتاني مختصرات لمجموعة كتب صادرة حديثا باللغتين الإنكليزية والفرنسية، مثل: “العراق في زمن الحرب: التجنيد والاستشهاد والذكرى” للباحثة دينا رزق خوري، “إننا محكومون بالأمل: مقالات في المسرح العربي” للمخرج والناقد اللبناني إياد حسامي، “النهب المعولم ومقاومته” للكاتب السويسري جان زيغلر، “الشعراء المقاتلون” للكاتب والدبلوماسي الإيطالي موريسيو سيرا.

في رسالة باريس، التي ضمها العدد، يكتب الكاتب التونسي أبوبكر العيادي عن “رهان الهوية الوطنية تأليف أم تفرقة؟”، مبينا أن سؤال الهوية في فرنسا يطرح مشكلة عميقة، فهي من جهة نتاج إرث ضارب بجذوره في غيابات القرون، حاضر في المعالم والتقاليد والسرديات، ومن جهة ثانية هي صورة للعلاقة بالآخر القادم من ثقافات أخرى، وموقف من صعوبة التعايش في ظل تآكل السمات التقليدية للمجتمع.

يختم ناشر المجلة الكاتب العراقي هيثم الزبيدي العدد بمقالة عنوانها “تحية متأخرة للأسطى”، ينتقد فيها نظام التعليم في العالم العربي، الذي ينتج حملة شهادات لا أصحاب كفاءات عملية. كما يتناول الفرق بين منهجية التعليم في الغرب ومثيلتها في دول العالم الثالث، ففي الغرب هي تربوية مهنية وليست تعليمية فحسب، في حين يعلو شأن الكتاب والقلم ونتائج الامتحان على شأن التربية في الشرق.

ويرى الزبيدي أن فكرة العمل والمثابرة هي الأساس وليس المنهج التعليمي. فثمة تكدس محسوس في الشهادات والتخصصات يتحوّل إلى معاناة للخريجين وأسرهم، وبشكل أكبر للدول التي تعجز عن العثور على وظائف لهم، فالعمل يحتاج إلى إتقان الحرفة والتلمذة على يد “الأسطى” (صاحب الحرفة الماهر المتقن لحرفته) ويحتاج أيضا إلى المنهجية والتفاني.
14