العدل على طريقة داعش: إدارة الحسبة المتوحشة

ممارسات عصابات داعش الإرهابية ضد الأهالي الذين يعيشون على الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم فاقت كل تصور، فبواسطة الأموال التي غنمتها العصابات، وقع تجنيد ميليشيات تدعي أنها تطبق الشريعة، وتنشر الرعب في نفوس الناس، ممّا دفع بالكثير إلى الهرب خوفا على أنفسهم ودينهم.
الأربعاء 2016/09/14
عادة بناء هوية الفرد وفق جملة من الإلزامات

كان النموذج المثالي لإدارة التوحش يتضمن تصريحا بأن تكون للتنظيم قدرة على إقامة القضاء الشرعي بين الناس الذين يعيشون في مناطق التوحش، ورفع الكفاءة القتالية أثناء تدريب شباب منطقة التوحش، وإنشاء المجتمع المقاتل بكل فئاته وأفراده عن طريق التوعية بأهمية ذلك، وبث العيون واستكمال بناء إنشاء جهاز الاستخبارات المصغر.

هذا بالإضافة إلى تأليف قلوب أهل الدنيا بشيء من المال والدنيا بضابط شرعي وقواعد معلنة بين أفراد الإدارة على الأقل.

مثل هذه المهمة تحتاج، وبشكل قسري، إلى بناء مجتمع منضبط سلوكيا وفكريا بتعاليم المركز (تنظيم الدولة)، وكما يقترح فوكو فإن الانضباط المجتمعي يستخدم عادة لبناء علاقات قوة غير متكافئة. فالانضباط يخلق “أجساداً سهلة الانقياد”، مثالية لمتطلبات العصر الحديث من حيث الاقتصاد والسياسة والحرب، أجسادا وظيفية في المصنع، في الجيش، في الصفوف الدراسية. إن الانضباط هو الذي يخلق الرابط بين الأفراد، وهذا الرابط المبني على الإكراهات هو الذي يجعل الأفراد وحدة واحدة. أي ما يربط الناس ببعضهم البعض ليس التزاماً طوعياً للحفاظ على المجتمع، بل الرابط هو السلطة الانضباطية، التي تعمل على تحديد هوية الفرد من خلال الإلزامات المختلفة، من قانونية وسياسية وقومية.

إن الاستراتيجية الأمثل للوصول إلى مثل تلك النتائج لا تبتعد عن فكرة السيطرة على المجال العمومي الحر، الذي يعني مناقشة الأشخاص لشؤونهم السياسية والاجتماعية، واستبداله بمجال عمومي أحادي الرؤية وأحادي السلوك، حيث يلجأ تنظيم الدولة “داعش” إلى استخدام تقنيات قهرية ودموية لفرض رؤيته. هذه التقنيات تتجلى في عدة مظاهر أبرزها: تكوين صورة نمطية خاصة به، وإصدار قواعد وبيانات عامة تتلى أمام الناس، وإقامة ما يطلق عليه “الحدود والتعزيرات” علانية ووسط الساحات العامة، وإصدار فيديوهات متقنة الصناعة لتصوير مشاهد قتل ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي...

وفي 10 يونيو 2014 استطاع تنظيم الدولة أن يحكم قبضته على مدينة الموصل البالغ عدد سكانها حوالي مليوني نسمة. بعد سقوط الموصل، بدأ تنظيم داعش في التوسع، فبسط سيطرته خلال فترة وجيزة على محافظة نينوى بالكامل، ووسع رقعة سيطرته في الأنبار وصلاح الدين، وهاجم مناطق شمال العراق. وبعدها بعدة أيام أعلن التنظيم قيام دولة الخلافة الإسلامية وتنصيب أبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين، وظهر زعيم هذا التنظيم أبوبكر البغدادي في جامع الموصل لأول مرة مطلع يوليو (تموز).

انتقل التنظيم نحو الصيغة المؤسساتية التي تحاكي ما جاء في كتب التراث الإسلامي، عبر الإعلان عن تشكيل وزارات وتعيين ولاة على المناطق التي يسيطر عليها، في محاولة للانتقال من صيغة التنظيم إلى بنية الدولة. وهذا ما عمل عليه أبو بكر البغدادي؛ إذ تم تطوير عمل الأجهزة المختلفة وتأطيرها مؤسسيًّا، ومنحها مهمات محددة ودقيقة تجمع ما بين طبيعة المؤسسات في الدولة المعاصرة وأدوارها الوظيفية من جهة، وطبيعة التنظيم وظروف عمله، التي تمتاز بدرجة أكبر من التعقيد والغموض، وهو ما جعلنا أمام حالة هجينة وخاصة، تُزاوِج بين صورة الدولة والتنظيمات السرية في الوقت نفسه.

تنظيم داعش يلجأ إلى استخدام تقنيات قهرية ودموية لفرض رؤيته، هذه التقنيات تتجلى في عدة مظاهر

التنظيم دخل مع حقبة أبي بكر البغدادي في طور تنظيمي عسكري أمني شديد السرية والارتياب؛ إذ أسهم البغدادي، منذ توليه إمارة التنظيم، في إعادة هيكلته، معتمدًا في الجانب العسكري على ضباط عراقيين سابقين سلفيين، وفي الوقت نفسه استثمر الجهاديين العرب والأجانب في الأجهزة الشرعية.

لم يحدث التطور على الصعيد المؤسسي والوظيفي فقط، بل تزاوج مع إعادة هيكلة القيادة، وتصعيد القيادات المحترفة المحلية، على أكثر من صعيد، وخاصة عسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا. كما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن قيامه بإعدام عدد من الأشخاص الّذين اتهموا بممارسة السلوك المنافي للحشمة، واللواط والزنا وما يسمى بالجرائم المتعلقة بالأخلاق؛ حيث قام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا منذ شهر يونيو (حزيران) من عام 2014 بنشر ما لا يقل عن أربعة تقارير مصورة على شبكة الإنترنت، ترمي إلى إظهار عمليات إعدام عدة أشخاص اتُهموا بممارسة اللواط. ففي 23 يونيو (حزيران) 2014، نشرت مواقع التواصل الاجتماعي -لأول مرة- بياناً منسوباً لتنظيم الدولة الإسلامية، يعلن فيه عن إعدام رجل “لارتكابه فعل قوم (النبي) لوط”.

ويزعم البيان “تلقي المحكمة المحلية للتنظيم شكاوى ضد المدعى عليه” تدعي قيامه بممارسة اللواط ” عن طريق دعوته لهم للمشاركة بهذه الأفعال وإغرائهم بالمال.

كانت ولاية حلب التابعة لتنظيم الدولة قد أصدرت في يناير (كانون الثاني) 2015 بيانا أشارت فيه إلى كفر كل من لم يؤمن بقوانين الدولة الإسلامية، وحدد البيان الحدود الشرعية وجزاءها.

وبفعل السيطرة الجغرافية التي فرضها تنظيم الدولة على مساحات واسعة من أراضي العراق وسوريا، وإلغائه الحدود الدولية بين كلا البلدين، وبحكم سيطرته على حقول النفط وتدفق الأموال الهائلة على خزينته، والنظر إليه كأغنى تنظيم في تاريخ الحركات الجهادية، تأسست لدى عناصر التنظيم والمؤيدين له سلطة متخيلة قوامها التماهي بين عناصرها والأوامر الإلهية أو الشريعة الإسلامية، وأخذت هذه السلطة المتخيلة في تشكيل نفسها كجماعة متطهرة واستثنائية، وبدأت تفرض رؤيتها المتخيلة على جميع الأفراد عبر الترويج لفكرة استفرادها بتطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها.

إن واحدة من أهم مهمات الدولة الإسلامية وفق الفهم السلفي، هي إحكام السيطرة على المجال العمومي والظهور بمظهر ملائم وتعاليم المدونة الفقهية الخاصة بالتنظيم، وهي المدونة التي تستند –أساسا- إلى كل ما هو متشدد وغريب في الأحكام. وأصدر التنظيم أمرا بتغيير المناهج الدراسية وإلغاء دروس التاريخ والفنون والموسيقى. وبموجب القواعد الجديدة يحظر استخدام كلمة “الوطنية”.

تتكرر الإشارة إلى بطش عناصر الحسبة وممارستهم العنيفة ضد المخالفين في التقارير الصحافية، وفي الشهادات التي يتناقلها الكثير من أهالي تلك المناطق، حيث تتوحد الشهادات حول شراسة وعنف عناصر جهاز الحسبة وغلظتهم، فضلا عن رؤيته كنظام أمني يعتمد على فرض القوة والإكراه، وأداة من أدوات فرض النظام الجديد، لم يكن يعمل من خلال قانون أو جهاز رقابي، وهو يقترب من نظام الميليشيات.

وقد دفعت تلك الممارسات الشرسة العديد من أهالي القرى إلى الهجرة من مناطقهم؛ خوفا إما على دينهم وإما على أنفسهم.

خلاصة من بحث: عباس ميرزا المرشد “الشّرطة والحسبة في تنظيم داعش.. الموصل أنموذجاً”، ضمن الكتاب الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13