العدوان الروسي يشمل لبنان أيضا

الثلاثاء 2015/11/24

يتمادى العدوان الروسي على سوريا ليشمل المنطقة وعلى الأخص لبنان. سيادة سوريا هي المعبر الضروري لما قد يتمتع به الشرق من سيادة، فحتى الصهاينة لم يكونوا ليجرؤوا على انتهاك سيادة لبنان والعدوان عليه لولا ما لمسوه من النظام السوري من تراخ عبّر عنه رده المعروف على الخروقات الصهيونية المتكررة للسيادة السورية منذ سبعينات القرن الماضي تحت عنوان: الرد سيكون في الزمان والمكان المناسبين. هذا الزمان الذي لم يحضر قط.

يكاد الحديث عن السيادة الوطنية في هذا الزمن، وبالتحديد للدول التي تحكمها قوى مرتهنة للخارج، أن يصبح نكتة سمجة. ولكن تبقى هناك حدود لما يسمى اللياقات الدبلوماسية التي تحفظ بعضا من ماء الوجوه للحكومات خصوصا عندما تربطها مع دولة خارجية كبرى علاقات “ودية”. ما جرى الجمعة الماضي من طلب البحرية الروسية لإدارة مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت تغيير مسار رحلات الطيران من وإلى هذا المطار خلال ساعات، يسفح كل ما تبقى من ماء الوجوه ويعري صفاقة ادعاءات الصداقة والود والسيادة، والاستقلال الذي تحتفل به السلطات اللبنانية اليوم.

يرد بعض مهوُوسي “الممانعة” أن أجواء لبنان طالما كانت مستباحة من الطيران الحربي الإسرائيلي، فلِمَ اليوم تعظمون أمركم؟ ألا يعتبر الانتهاك اليومي للأجواء اللبنانية من قبل طيران العدو انتهاكا للسيادة الوطنية التي يتباكى البعض عليها اليوم؟ للأسف فإن انتهاك السيادة الوطنية من قبل الكيان العدو أصبح مبرِرا لدى هؤلاء لانتهاكها من الجميع، رغم أنهم يصدعون رؤوسنا بالحديث عن المقاومة ورمزية حزب المقاومة والتابعين.

ليس تباكيا على السيادة الوطنية التي لم تتوفر يوما، ولكن الكلام بمنطق هؤلاء الأدعياء يصبح ضروريا لمواجهتهم بأكاذيبهم، والأهم، كشف المستور في العلاقات التي تربط هؤلاء، ومن معهم في السلطة، بالقوى الخارجية والتي لا تصل إلى أكثر من علاقة المستزلَم بأسياده. فإذا كان الكيان الصهيوني هو العدو الذي لا حوار معه ولا نقاش، فماذا عن الدولة الروسية التي كان وزير خارجيتكم منذ بضعة أيام في كنفها يكيل لها المدائح؟ كيف تتقرر العلاقات بين الدول إذا كان وزير الخارجية نفسه في العاصمة الروسية، ثم بعد ساعات من عودته تطلب البحرية الروسية من سلطات مطاركم الدولي الوحيد، بدون أي اتصال بين الحكومتين، وبدون إعلام الخارجية اللبنانية، على حد زعم الوزير جبران باسيل، تغيير مسار رحلات الطيران المدني بزعم إجرائها مناورات عسكرية في شرقي المتوسط؟

والأنكى من ذلك، تجاهل الروس رفض الحكومة اللبنانية التي سيطر عليها الارتباك، واعتبارهم إبلاغ سلطات المطار أمرا محسوما يبيح للبحرية الروسية إغلاق الأجواء اللبنانية، ما وضع السلطات اللبنانية تحت أمر واقع لا مفر منه. وما سيكون عليه موقف الممانعين حين يعرف الجميع أن تغيير مسار الطيران المدني من مساره المعتاد باتجاه الجنوب يفرض تنسيقا مباشرا أو غير مباشر مع السلطات الإسرائيلية من أجل حماية الرحلات المغادرة أو المتوجهة إلى مطار بيروت عبر الجنوب حتى لا تكون عرضة لهجمات الطيران الحربي أو الدفاع الجوي الإسرائيلي؟ أم أن هذا، كما التنسيق الروسي الإسرائيلي في سماء سوريا، وربما في سماء لبنان، يصب في مصلحة “محور الممانعة” الذي قد تكون إسرائيل صارت جزءا منه؟

وكما عودنا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي يعرف الحقيقة كاملة ثم يعلن نصفها ليناور به، فقد “غرد” رافضا أن يصبح لبنان ضاحية من ضواحي موسكو. لكنه يعرف أن بلدا مثل لبنان يحكمه ائتلاف مافيوي هو جزء منه، يرتهن كل طرف فيه إلى جهة إقليمية أو دولية ويرهن معه مصير البلد، لا يمكن أن يتمتع بما يسمى سيادة وطنية، وأن أبوابه وأجواءه ستظل مشرعة لكل المغامرين والمعتدين طالما استمر الائتلاف المافيوي في السيطرة عليه.

وها هم اليوم، في بلد مستباحة أجواؤه وحدوده، مشلولة مؤسساته، وفي ظل شغور منصب رئيس الجمهورية، وفوق أكوام النفايات التي احتلت البلد، يحتفلون بالاستقلال كل على طريقته، استقلال ليس أفضل حالا من السيادة المزعومة، إذ لا يعدو كونه أكثر من نكتة سمجة.

كاتب لبناني

9