العدو الكامن.. جيل جديد من الإسلاميين يهدد روسيا

تفاصيل الهجوم الذي استهدف محطة مترو الأنفاق في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية تشير إلى جيل جديد من الجهاديين ينطلق من ميراث الجماعات المقاتلة في داغستان والشيشان ومتشبع بأدبيات داعش، ضمن واقع ينبئ بتزايد التهديدات الإرهابية التي ستواجهها روسيا في المرحلة المقبلة نتيجة التداخل بين التحولات الداخلية وانتشار التنظيمات المتطرفة في الجوار الجغرافي وسعي التنظيمات المتطرفة لرفع تكلفة التواجد العسكري الروسي في سوريا.
الخميس 2017/04/06
اختراق الحصن الروسي

موسكو – يمثل أكبرجون جليلوف، الذي تدور حوله الشبهات في تفجير قطار الأنفاق الروسي، موجة جديدة من الإسلاميين المتشددين يندمج أفرادها في مجتمعاتهم المحلية بمنأى عن الحركات الجهادية القائمة مما يزيد من الصعوبات التي تواجهها قوات الأمن في سعيها لوقف هذه الهجمات.

وتكشف صفحات جليلوف، على المقابل الروسي لموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن اهتمامه بالمذهب الوهابي السلفي. لكنها لا تنطوي على أي مؤشرات تدل على أنه قد يلجأ إلى العنف بل تطرح صورة لشاب عادي يعيش حياة عادية إلى حد كبير.

وسقط 14 قتيلا و50 جريحا الاثنين في الهجوم الانتحاري على عربة المترو في سانت بطرسبرغ. وقال محققون روس إن المفجر المشتبه به هو جليلوف البالغ من العمر 23 عاما المولود في جمهورية قرغيزستان السوفيتية السابقة ذات الغالبية المسلمة.

وإذا كان التشدد الإسلامي هو حقا حافزه في تنفيذ الهجوم فسيميزه ذلك عن موجتين سابقتين من المهاجمين، الأولى من منطقة شمال القوقاز المضطربة في روسيا، خاض أفرادها حركات تمرد متتالية على موسكو. والموجة الثانية مجموعة ذهب أفرادها إلى العراق وسوريا للقتال في صفوف داعش.

الأجيال السابقة من الإسلاميين ذوي الميول العنيفة والمتشددة خرجت إلى حد كبير من الصورة الآن مقابل ظهور جيل جديد

جيل جديد

ربما يستلهم الجيل الجديد أفكاره، أو يتلقى تعليماته، من البعض ممن شاركوا في تلك الموجات السابقة بل وربما يخرجون من مجتمعاتهم الإسلامية ذاتها. غير أن هؤلاء المتطرفين الجدد لا تربطهم صلات مباشرة بتلك التنظيمات المتطرفة وليس لهم سجل من أوامر الاعتقال أو التنصت على هواتفهم أو وثائق السفر وعمليات عبور الحدود الخاضعة للمراقبة والتي تعتمد عليها قوى الأمن في العادة لكي تضع الإسلاميين المتطرفين من ذوي الميول العنيفة تحت المراقبة.

قال أندريه سولداتوف الخبير الروسي في أجهزة الاستخبارات “هذا نوع مختلف تمام الاختلاف. مستوى مختلف من التهديد الإرهابي عن المستوى الذي اعتادت الأجهزة الأمنية الروسية التعامل معه”.

وأضاف أن الأجهزة الأمنية عادة ما تبحث عن تنظيم وشبكة تمويل وراء تمويل الهجوم الإرهابي غير أنه قد لا يكون للتنظيم والشبكة وجود في حالات مثل عملية تفجير المترو. وتابع "التصدي لمثل هذه الأمور في غاية الصعوبة".

وواجهت الشرطة البريطانية مشاكل مماثلة في تحقيقاتها في حالة خالد مسعود الذي دهس المشاة بسيارة مسرعة على جسر وستمنستر الشهر الماضي فقتل ثلاثة أشخاص وجرح العشرات قبل أن يقتل شرطيا طعنا وترديه الشرطة قتيلا بالرصاص، فلم يكن لمسعود أي صلات معروفة بالجماعات الجهادية.

جليلوف شاب عادي مثل الملايين من الشبان المسلمين الذين يعيشون في روسيا، ولا يوجد شيء في خلفيته أو أسلوب حياته يميزه عن الباقين في نظر السلطات، فهو من الأوزبك من مدينة أوش الجنوبية في قرغيزستان انتقل مع والده إلى سانت بطرسبرع للعمل منذ عدة سنوات حسب أقوال جيران له في أوش.

وقال الجيران إنه عمل في روسيا مع والده في ورشة لإصلاح السيارات. وقال أحد معارف جليلوف في سانت بطرسبرع إنه عمل نحو عام في سلسلة مطاعم للسوشي. وقال آخر من معارفه أيضا إنه من عشاق لعبة السامبو أحد فروع الفنون القتالية الشائعة في روسيا. وقال مصدر من السلطات الروسية إنه كان يمتلك سيارة دايو وكان عنوانه مسجلا في شقة بحي راق هادئ في ضواحي سانت بطرسبرغ.

ثأرا من روسيا

وتظهر على صفحة جليلوف على موقع فيكونتاكي، أحد مواقع التواصل الاجتماعي الروسية، صور له وهو يرتدي ملابس غربية وفي مطعم مع أصدقاء بل وهو يدخن الشيشة. ومن اهتماماته المدونة على الصفحة الاستماع لمحطة إذاعية للموسيقى والفنون القتالية.

وتتضمن صفحته رابطا إلى الصفحة الأساسية للملاكم مايك تايسون. لكنه كان يبدي أيضا اهتماما بالدين. فالصفحة تتضمن روابط لموقع اسمه بالروسية "أحب الإسلام" به آيات من القرآن، ولموقع آخر اسمه إسلام هاوس دوت كوم وهدفه معاونة الناس على التعرف على الإسلام.

وتضمنت صفحة أخرى على موقع فيكونتاكي تخص جليلوف روابط لموقع يتضمن أقوالا لمحمد بن عبدالوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر وقام المذهب الوهابي على آرائه.

يقول مسؤولون أمنيون وأفراد تربطهم صلات بالتشدد الإسلامي إن الأجيال السابقة من الإسلاميين ذوي الميول العنيفة خرجت إلى حد كبير من الصورة الآن. وتطارد قوات الأمن المتشددين في شمال القوقاز مما يدفعهم إلى الاختباء في الغابات كما أنهم مشغولون بالبقاء على قيد الحياة بما لا يجعلهم قادرين على شن هجمات على مدن روسية.

أرض خصبة للتجنيد

بناء على معلومات من المخابرات التركية التي تتابع تحركات الإسلاميين الداخلين إلى سوريا والخارجين منها تلقي روسيا القبض عليهم عند عودتهم إلى البلاد أو تمنعهم من دخولها. وربما يكون هجوم وقع قرب موسكو العام الماضي هو بداية ظهور الجيل الجديد من المتشددين.

سافر عثمان موردالوف (21 عاما) وصديقه سليم إسرائيلوف (18 عاما) من موطنهما في الشيشان بشمال القوقاز إلى إحدى ضواحي موسكو وتسلحا بالفؤوس وهاجما موقعا لشرطة المرور. ولقي الاثنان مصرعهما بالرصاص. وقالت أسرتاهما إنهما لم تكن لديهما أي فكرة عن تورط الاثنين في التطرف الإسلامي، غير أن الاثنين اعترفا في تسجيل مصور بالفيديو نشر على الإنترنت في اليوم التالي بمبايعة تنظيم الدولة الإسلامية وأشارا إلى التدخل العسكري الروسي في سوريا. وقال أحدهما في التسجيل المصور “نحن نسمي هذه العملية عملية ثأرية انتقاما منكما”.

ضعف قبضة داعش على الأراضي الخاضعة لسيطرته في سوريا والعراق حوّل تركيزه إلى حث المتعاطفين معه في مواقع أخرى على تنفيذ هجمات

وكان تنظيم الدولة الإسلامية، الذي بدأت قبضته تضعف على الأراضي الخاضعة لسيطرته في سوريا والعراق، قد حوّل تركيزه إلى حث المتعاطفين معه في مواقع أخرى على تنفيذ هجمات. وكان الثأر من روسيا لدورها في الصراع السوري فكرة بارزة في مواقع التواصل الاجتماعي للمجموعة.

وبعد فترة قصيرة من بدء روسيا عمليتها العسكرية دعما للرئيس السوري بشار الأسد عام 2015 نشر التنظيم مقطع فيديو هدد فيه بضرب روسيا في القريب العاجل ووصف الروس بأنهم من الكفار وقال إن دماءهم ستسيل أنهارا.

تجد تلك الدعاية أرضا خصبة داخل روسيا بين الملايين من المسلمين من شمال القوقاز والمسلمين المهاجرين من جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية السابقة. ويؤدي الكثيرون منهم أعمالا بسيطة بمرتبات منخفضة وعادة ما توقفهم الشرطة لفحص أوراقهم وفي الكثير من الأحيان يعانون من التمييز العنصري.

ووصف رجلان من آسيا الوسطى شاركا في القتال في صفوف المتشددين الإسلاميين في سوريا كيف أنهما اعتنقا الأفكار المتطرفة أثناء العمل في روسيا.

تحدث أحدهما لوكالة رويترز في سجن في مدينة أوش عام 2015 فقال إن اسمه بوبرجان وإنه يقضي حكما بالسجن بسبب أنشطته في سوريا. وقال إنه جاء إلى موسكو للعمل في موقع للبناء واتصل به رجل في أحد مساجد موسكو عرض عليه مشاهد بالفيديو للصراعات في الشرق الأوسط.

وأضاف “قال ذلك الرجل ‘انظر الكفار يقتلوننا ويغتصبون نساءنا وأطفالنا وواجب علينا أن ندافع عن إخواننا المسلمين\'”.

وقال الثاني البالغ من العمر 22 عاما إن اسمه خليجان ويعمل طباخا في مطعم أوزبكي بوسط موسكو. وأضاف “بعض الشباب ممن أعرفهم قالوا ‘لابد أن نذهب ونشارك في الجهاد\'”.

ولهذا السبب وبالرغم من انتقاد روسيا للسياسات الأميركية والأوروبية في منطقة الشرق الأوسط وفي ما يتعلق بالأزمة في أوكرانيا فهي في ذات الوقت مع التحرّك العسكري الذي يستهدف الدولة الإسلامية في سوريا.

6