العذرية ومفهوم الشرف

الأحد 2016/05/29

لا يزال موضوع العذرية يُشكل هاجسا في عالمنا العربي، ولا يزال الكثيرون يربطون حصرا العذرية بالشرف. ولا تزال جرائم الشرف تحتل أرقاما عالية في مجتمعنا العربي، كما أن الندوات والمحاضرات والكتب التي ناقشت هذا الموضوع لا تُعد ولا تُحصى. لكنني منذ أيام حضرت برنامجا في إحدى الفضائيات استضاف ثلاث باحثات من جنسيات مُختلفة لمناقشة موضوع العذرية والشرف، ولم أكن أنوي الكتابة عن هذا الموضوع الذي استهلك كثيرا، لكن موقف بعض الباحثين أثار حماستي للكتابة وقلقي، فإحدى الباحثات اعتبرت العذرية خطا أحمر، بمعنى أنها تربط حصرا مفهوم شرف الفتاة بعذريتها مهما كانت الظروف، والباحثة الأخرى كانت من الحماسة لدرجة تشعر أنها تطلب من كل الفتيات التطويح بعذريتهن كيفما اتفق.

بداية أحب أن أذكر تلك القصة الحقيقية أثناء عملي الطبي في مشفى حكومي في اللاذقية، فقد دخلت فتاة في السابعة من عمرها مُغمى عليها بسبب سقوطها على حنفية (صنبور مياه) بمستوى الأرض وأدى سقوطها إلى تمزق كامل لغشاء البكارة وتمزقات في المهبل، وطبعا تم إسعافها وخياطة جروحها لكن أمها ظلت تلطم وجهها وصدرها وهي تقول “يا ويلي ضاع شرف البنت!”.

الأم التي تُربّي والتي تربت هي ذاتها في جوّ اجتماعي وأخلاقي معين انهارت لأن سقوط الطفلة أدّى لتمزق بكارتها، عبارة تعني أن مستقبلها ضاع، لأن مستقبل الأنثى في عالمنا العربي هو الزواج وأهم مقوّمات الزواج ومفهوم شرف العروس هو عذريتها، وحين حاول الطبيب طمأنتها أنه سيعطيها تقريرا طبيا أن سبب فقدان العذرية هو سقوط الطفلة، جنّ جنون الأم وصرخت “ومن يُصدق ورقة!”.

أذكر هذه الحادثة لأنها أصدق وأبسط مثال على عقلية مجتمع يختزل إنسانية المرأة وكيانها بمجرد غشاء بكارة، ولست مثل الباحثة المتحمسة للإطاحة بالعذرية كيفما اتفق كدلالة على تحرر المرأة ومساواتها بالرجل، فهذا تصرف هستيري ومهين للمرأة ولا مبرّر له، لأن العلاقة بين المرأة والرجل يفترض أن تقوم على الاحترام والحب وعلى احترام جسد الآخر، وأنا مع احترام الرجل لجسده كاحترام المرأة لجسدها، فكرامة الجسد لا تنفصل عن كرامة الشخص، ومن يُعهر جسده فهو يُعهر روحه وشخصيته.

لكن من غير المقبول أيضا اختزال شرف المرأة وتقديرها واحترامها بمجرد غشاء بكارة! الطفلة المسكينة التي فقدت عذريتها وأفاقت من التخدير على صراخ أمها تولول “يا ويلي لقد ضاع شرفها ومستقبلها، ما ذنبها”، يمكن لكثير من أنواع الرياضة التي قد تمارسها أن تؤدي إلى تمزق غشاء البكارة السطحي أكثر ممّا يعتقد الناس.

فالأخطر هو أن هذا التركيز الكبير على أن شرف المرأة هو حصرا في عذريتها قد يدفع -وكلنّا نشهد الواقع- فتيات كثيرات إلى تعهير أجسادهن وممارسة الجنس أو الشذوذ مع الاحتفاظ بعذريتهن، كما أن الارتفاع المُذهل في عمليات ترقيع غشاء البكارة يدل أن أخلاقنا سطحية والكثيرون غير مقتنعون بها لكنهم يستترون حين يرتكبون المعاصي، فأيّ عار أن تُزف فتاة إلى شاب وقد أجرت عملية إعادة العذرية! أليس هذا أكبر طعنة لمفهوم الكرامة والصدق والحبّ الذي يجب أن يجمع المرأة بالرجل؟ أليس التمسك بمجرد غشاء بكارة كقيمة مُطلقة وكخط أحمر -كما قالت الباحثة- هو تحريض خفي على تعهير الجسد مع الحفاظ على العذرية لأن شعور الفتاة أن كل شخصيتها وثقافتها وكيانها ليس مُقدرا ولا مُحترما إن لم تكن عذراء، هذا ما يولّد عند الكثيرات مشاعر عدائية تجاه المجتمع وتجاه الرجل كما قالت لي إحدى الشابات الجامعيات التي جعلتها تلك العقلية حاقدة “لماذا يُسمح للرجل بممارسة الجنس ولا يُطلق عليه أحد أيّ حكم أخلاقي ولا يُسمح بالمثل للمرأة”، واعترفت لي أنها مارست علاقات جنسية عشوائية نكاية بتلك العقلية التي تختزلها بمجرد غشاء بكارة، لأنها تُريد أن تُحترم كإنسانة لا تكذب ولا تغش ولا تجري عملية إعادة العذرية، لكنها ترى الواقع معاكسا لرغبتها في احترامها كإنسانة.

بل تشعر أنها مُختزلة في غشاء بكارة، وبأن شرفها ليس مُرتبطا بجسدها بل مرتبط بجسد آخر: زوج، أخ، أب، ابن عم.. لماذا شرف الرجل مرتبط بجسده فقط، وشرف المرأة مرتبط بجسد رجل -هذا سبب جرائم الشرف- فأيّ عار أن تنتج الصين غشاء بكارة صناعي ورخيص جدا من أجل عالمنا العربي المتخلف، وأيّ حياة أسرية مُنافقة ومُخزية تقوم على الكذب حين تجري الفتاة عملية إعادة العذرية كي تخدع شريك عمرها وزوجها بأنها عذراء! أليس هذا السلوك قمة الغش والعهر وانعدام الشرف، ومن يتحمل مسؤولية هذا السلوك ليست الفتاة وحدها بل ترسانة من العقلية الاجتماعية المُتكلسة والمتعفنة والتي تمنع الأنثى أن تحس أن كرامتها وشرفها في سلوكها وأخلاقها وصدقها ونقاء روحها وجسدها بل في بكارتها فقط .

كنت أتمنى أن تكون الباحثتان في الحلقة التلفزيونية غير متشنجتين، فليست العذرية خطا أحمرا لأن احترام المرأة يكون في صدقها وشخصيتها ولا أن تكون الباحثة الأخرى حاقدة وناقمة على الرجل وكأنها تطالب الفتيات بالانفلات الجنسي.

جسد المرأة كجسد الرجل له قدسيته واحترامه ولا يُمكن الفصل بين الصدق ونقاء الروح واحترام الشخص لنفسه واحترامه لجسده. الشرف الحقيقي هو الصدق والنزاهة واحترام الإنسان لجسده. وعار علينا أن نختزل المرأة ونقيس شرفها بمجرد عذريتها.

كاتبة من سوريا

21