العرافون محتالون يتاجرون بأوجاع البسطاء في مصر

السحر والشعوذة مهنة ذات ربح وابتزاز سهلين.
الثلاثاء 2021/03/23
كذب المشعوذون ولو صدفوا

يعد وجود العرافين في مصر كما في المجتمعات الأخرى، ظاهرة قديمة لم يمحها ارتفاع منسوب الوعي وزيادة أعداد المتعلمين والتخلي عن بعض العادات والتقاليد البالية أمام ثقافة الانفتاح والتحضر، لكن ما استجد عليها هي الأفعال الغريبة التي صار الناس يقومون بها جراء حل مشكلاتهم على أيدي السحرة، مثل تقديم أجسادهم قربانا لهم.

عندما حاول أحمد سعد أن يهرب من دخول امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) في مصر، لشعوره بإمكانية الرسوب، لجأ إلى حيلة ماكرة بإيهام أسرته بأنه مأمور من الجن بعدم دخول الامتحانات، لكن والده لم يستسلم وتمسك باصطحابه إلى أحد أشهر الدجالين في محافظة البحيرة، شمال القاهرة.

لم يتمالك الشاب نفسه من الخوف جراء تأكيد والده بأن هذا العرّاف يمتلك مهارات استثنائية في علم الجن، وكان الشاب بين خيارين، إما إبلاغ أفراد أسرته بأنه كذب عليهم، وإما مجاراتهم في الذهاب إلى الساحر وليحدث ما يحدث، باعتبار أن العقوبة في الحالتين ستكون قاسية من جانب الأب، لأن الابن سيظهر بصورة المخادع الكبير.

وعند الدجال الذي يستقبل زبائنه الجمعة من كل أسبوع، شاهد الشاب المئات من الرجال والنساء يصطفون أمام منزله الواقع في ساحة كبيرة يجتمع فيها الناس.

مع اقتراب لحظة دخوله إلى غرفة الساحر كاد قلبه يتوقف من الخوف، إذ لأول مرة يعيش لحظة المواجهة مع شخص يتعامل مع المواطنين كأنه قديس وصديق شخصي للجن.

تمالك أعصابه بعض الشيء، وبعد أن دفع الأب مئتي جنيه (13 دولارا)، دخل برفقته إلى الدجال وحكى له قصته الوهمية بأن الجن أمره بعدم دخول الامتحانات هذا العام، فأبلغه الساحر بالانتظار خارج الغرفة بعض الوقت إلى حين التفاوض مع الجن للسماح له بأداء الامتحانات، وبعد دقائق عادوا إليه لسماع النتيجة.

كانت المفاجأة التي لم يتوقعها الشاب، حيث أبلغه الساحر برفض طلبه من جانب الجن، وأنه ملتزم بالانصياع لهم حتى لا يتعرض لأذى، وهنا سأله الطالب بدهشة “هل قالوا لك ذلك بالفعل؟”، فرد الدجال بالإيجاب، حينها أدرك الشاب كذب ادعاءات الرجل وكم هو محتال ونصاب، لكنه لم يفصح لوالده خشية من ردة فعله القاسية.

تبدو الواقعة طريفة إلى حد بعيد، لكنها تكشف بوضوح حجم النصب الذي تتعرض له شريحة كبيرة في المجتمع على أيدي دجالين ومشعوذين صاروا يستخدمون السحر وسيلة للتربح السريع، ويستفيدون من قناعة الناس بقدرتهم على التواصل مع العالم الآخر، وامتلاكهم مهارات استثنائية في حل المشكلات والأزمات المزمنة.

الجسد قربان للعرّاف

هيئة غريبة يصدقها الضعفاء
هيئة غريبة يصدقها الضعفاء

برغم حوادث الاحتيال التي يتعرض لها الكثير من المصريين على يد السحرة والدجالين، لكن الناس لا تتوقف، أو تكف عن التعامل معهم، والاستسلام لكل مطالبهم حتى لو كانت تعجيزية، مثل دفع أموال كثيرة، أو القيام بأفعال شاذة نظير أن يرضى عنهم العرافون ومدّعو التواصل مع العالم السفلي وإبرام صداقات مع الجن.

وجسدت السينما والدراما في مصر قصص العرافين، وبرع الفنان أحمد زكي في فيلم “البيضة والحجر” في تجسيد شخصية الدجال، وكيف حقق ثروة طائلة، كما قدم شحصية شبيهة الفنان عبدالعزيز مخيون في مسلسل “الكبريت الأحمر”، ناهيك عن مسلسل “العرّاف” الذي قدمه الفنان عادل إمام.

وكشفت هذه النوعية من الأعمال إلى أي درجة يبتز النصابون الناس الذين لا يتوقفون عن التردد عليهم.

عند مطالعة الحوادث المرتبطة بالدجل والشعوذة في المجتمع المصري تصطدم بواقعة قيام سيدة بالموافقة على أن يعاشرها الساحر جنسيا نظير شفاء ابنها من مرض نادر حتى تكتشف أنها كانت مخدوعة، أو القبول بتصوير نفسها عارية ليفحص الدجال جسدها بعناية ليعرف لماذا صار يعاملها زوجها بعنف ويرفض معاشرتها.

هالة منصور: الاستعانة بالدجالين ظاهرة عند العاجزين عن تحقيق أحلامهم

هناك وقائع كثيرة سجلتها محاضر الشرطة لأفراد قتلوا دجالا بعدما اكتشفوا أنه أوهم الضحية بمعاشرتها جنسيا، أو لأنه يحتفظ بصور وفيديوهات لسيدة استسلمت له وعرضت نفسها عليه مقابل حل مشكلتها، والجديد أن السحر صار وسيلة للابتزاز الجنسي لنساء سقطن ضحايا لدجالين أوهموهن بالعلاج وتحقيق السعادة.

وتتشعب أسباب انتشار السحر والشعوذة في المجتمع، على رأسها غياب المساءلة القانونية والعقوبات الصارمة، وترتبط المحاسبة بمدى تحقيق مبالغ مالية جراء النصب والاحتيال وهذا يصعب إثباته بسهولة، في حين لا توجد عقوبة خاصة بممارسة جريمة الدجل وإيهام الضحايا بالقدرة على فك السحر.

ثمة قرى صارت معروفة ومشهورة بالعرافين والمنجمين والسحرة، ويتهافت الناس عليها بحثا عن حلول سريعة لمشكلاتهم الأسرية والاجتماعية والوظيفية والمرضية، وإذا ما تعرض البعض لأزمة طارئة ترى عقولهم تقودهم للذهاب إلى الدجال.

في بعض القرى المصرية، يوجد عرف سائد لدى أغلب الأهالي بأن تزويج الشاب أو الفتاة دون الذهاب إلى الدجال المقيم بالمنطقة قبل ليلة الزفاف ودفع مبالغ مالية له لعدم قيامه بأعمال سحر للعريس والعروس، قد يعرض أيّ منهما لما يعرف بـ”الربط”، أي عدم استطاعة القيام بالمعاشرة الزوجية إلى حين فك السحر.

بغض النظر عن قدرة هذا الدجال على تعكير صفو العُرس على أسرتي الشاب والفتاة، أو نجاحه في القيام بأي عمل شرير، فنيل رضاه صار ثقافة وعادة يقوم بها أغلب الناس بحكم السيرة التي عرف بها، والسمعة السيئة التي التصقت بشخصيته، حتى صار سكان القرية يتقون شره باسترضائه ماديا كي لا يؤذيهم في أفراحهم.

الماء المسحور

Thumbnail

قال عماد محمد وهو شاب تزوج قبل عام، ويعيش بإحدى قرى محافظة القليوبية شمال القاهرة، إنه لم يستطع ليلة زفافه أن يعاشر زوجته، وظل على هذا الوضع قرابة أسبوع، حتى تعكرت حالته النفسية وساءت، وبعرض الأمر على أحد أصدقائه سأله “وهل ذهبت للشيخ رفعت قبل عُرسك؟”، وعندما أجاب بالنفي نصحه بزيارته.

أضاف لـ”العرب”، أنه عمل بنصيحة صديقة وزار المشعوذ في منزله وقص عليه حكايته، وأعطاه الأخير زجاجة مليئة بالمياه وطالبه بالشرب منها قبل معاشرة زوجته مباشرة، وحصل مقابل ذلك على مبلغ كبير، وعندما التقى أحد الشيوخ وحكى له الواقعة، طالبه بعدم شرب الماء المسحور، بل الاستغفار وإخراج بعض المال للفقراء.

استجاب الشاب لنصيحة الشيخ ونجح في معاشرة زوجته. وبعد فترة صارح أحد أقاربه الذي يعمل طبيبا نفسيا بمشكلته القديمة، فأبلغه بأن “الاضطراب الجنسي ليلة الزفاف مشكلة دارجة خاصة لمن يعيش اللحظة لأول مرة، ولا علاقة لها بالسحر والشعوذة والالتزام الديني، والدجال يتربح من سيرته التي رسختها تخاريف الجهلاء”.

ويرى خبراء علم الاجتماع أن اللجوء إلى السحرة والمشعوذين يرتبط بحالة اليأس والإحباط عند الناس بأي مجتمع، ومع تعاظم الأزمات وتنامي الشعور بعدم القدرة على الوصول إلى حلول جذرية لأي مشكلة، يصعد العرافون والمنجمون إلى صدارة المشهد لاستثمار هذه الحالة باعتبارها فرصة ثمينة لاستغلال ظروف الناس.

هالة حماد: الخطر يكمن في تحول المشعوذين إلى متحكمين في تصرفات البعض

ورأت هالة حماد استشارية الطب النفسي والعلاقات الاجتماعية أن الاستعانة بالدجالين صارت ظاهرة عند الفئات التي أصيبت بالعجز عن تحقيق الحلم الأهم في حياتها، ورغم أن وجود مشكلات تتطلب قدرا من الصبر والتفكير بشكل عقلاني مسألة طبيعية، لكن الكثير من الناس يتعاملون مع أزماتهم باعتبارها تحتاج إلى حلول من أفراد خارقين.

برهنت على ذلك في حديثها مع “العرب”، بتعامل بعض العائلات مع تأخر الفتاة في الزواج، وأول شيء يفكرون فيه أنها مسحورة، وهناك “عمل سُفلي” يستهدفها، ولا يدركون أن هذا من الأمور الطبيعية في ظل ارتفاع الغلاء وصعوبات الحياة وعجز الكثير من الشباب عن تكوين أنفسهم والاستعداد للزواج وتحمل المسؤولية.

ويتم توريث معتقدات السحر والشعوذة بين الأجيال، فمن كان والدهم يؤمن بهذه الأفعال، فهناك البعض من أبنائه يستمرون على نفس النهج، وتترسخ في أذهانهم أن التردد على الدجالين تصرف مطلوب، لأن الاتصال بعالم الجن يجلب لهم السعادة.

وبحكم أنه لا توجد حملات توعية بالقدر الكافي لإقناع الناس بأن السحر والدجل يوازيان النصب والاحتيال، فإن الأجيال الجديدة صارت تمارس نفس العادة حتى لو كانت متعلمة ومثقفة ومنفتحة وضمن الطبقة المتحضرة، لكن المعتقدات القديمة ظلت كما هي أمام غياب الخطاب التوعوي الذي يقنعهم بالحقيقة.

المناهج التعليمية لا تتطرق إلى الأزمة، لتحاول تغيير قناعات المراهقين والشباب حول الشعوذة باعتبارهم ركيزة في المستقبل، ولا الإعلام يمارس دوره في تسليط الضوء على القضية ليخاطب الناس بأسلوب يناسب ثقافتهم ويدحض هذا الفكر بالأدلة والوقائع الموثقة، ليؤكد أنهم يعيشون في وهم الوقاية والعلاج بالسحر.

حتى الأعمال الفنية، السينمائية والدرامية، التي يفترض أنها الركيزة الأهم في معالجة الظواهر السلبية صار بعضها يروج للشعوذة ويرسخ لدى الناس أنها واقعية.

تقتصر مواجهة السحرة والمشعوذين على المؤسسات الدينية من خلال إصدار فتاوى تحرم هذه السلوكيات، وتوعية الناس بأن الاستعانة بالدجالين ترتقي لمرتبة الكفر بالله، في محاولة للترهيب عبر خطاب ديني صارم.

رأى عبدالغني هندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، أنه لا يمكن للخطاب الديني وحده مواجهة ظاهرة الشعوذة، لأن أغلبية الناس لا تهتم بفكرة الحلال والحرام عندما يتعلق الأمر بجوانب روحانية، بل تتمسك بأن العادات والتقاليد والموروثات أهم من التدين.

أصبحت هناك العشرات من القنوات التي تبث إرسالها متخصصة في الترويج للدجل وتدعو المشاهدين للحصول على استشارات كبار العرافين والمنجمين لحل المشكلات سريعا، وتحدد أماكن وأرقام هواتف الوصول لهذه الشخصيات دون مطاردة الجهات المعنية لهم، أو التحذير من نصبهم واحتيالهم.

الكثير من المصريين لا يتوقفون عن التعامل مع السحرة والدجالين وتلبية كل مطالبهم حتى لو كانت تعجيزية

قال عبدالغني هندي لـ”العرب”، إن مجرد تطرق الإعلام لقضية السحر والشعوذة واستضافة معالجين روحانيين وتقديمهم للناس على أنهم يمتلكون قدرات خارقة، يكرس لدى الناس “واجب الاستعانة بهؤلاء في كل ما يخص أمورهم الحياتية، وهذه كارثة، عندما تكون الجهة المفترض بها مواجهة الخرافات، هي من تروج لها”.

صحيح أن الظاهرة موجودة في أغلب البلدان العربية، وليست قاصرة على مصر، لكن هناك دولا نجحت في مواجهتها بصرامة، فالسعودية مثلا، لديها وحدة متخصصة في مكافحة السحر والشعوذة تابعة لهيئة المعروف والنهي عن المنكر، وليبيا التي تعج بالصراعات لديها نفس الوحدة وتابعة لوزارة الأوقاف.

حسب دراسة صدرت مؤخرا عن مركز الدراسات الاقتصادية في مصر، فإن إنفاق الأسر على الشعوذة احتل المرتبة الخامسة بعد التعليم والغذاء والدواء والاتصالات، وثمة إحصائية عن مركز البحوث الاجتماعية ذكرت أن إنفاق المصريين سنويا على أعمال الدجل يبلغ ثلاثة مليارات دولار، وأكثر المؤمنين بهذه التصرفات من النساء.

أمام هذه التجارة الضخمة، باتت هناك صفحات متخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي، في جذب شريحة من متصفحي الشبكة العنكبوتية لتعلم السحر بمقابل مادي، ويكون ذلك عبر دورات تدريبية، حتى أن بعض المحتالين صاروا يستقطبون جمهورهم بسهولة، ويستمعون إلى شكاواهم ويقدمون إليهم الحلول، نظير تحويلات مالية على البنوك، أو أرصدة شحن على أرقام هواتف المحمول، وهو ما كشفته محاضر شرطية وصلت لقطاع مباحث الإنترنت بوزارة الداخلية.

بلا رقابة

الشعوذة تجارة مربحة
الشعوذة تجارة مربحة

يحّمل الرافضون للشعوذة، الحكومة الجزء الأكبر من المسؤولية في تنامي الظاهرة وتركها تأخذ أشكالا مختلفة من النصب، سواء على المستوى المادي أو الابتزاز والتلاعب بمصائر الناس، لأن الشهرة التي يتمتع بها هؤلاء المحتالون في الأوساط السكانية تجعلهم معروفين بالاسم، ويمكن بسهولة القبض عليهم ومحاسبتهم.

المسؤولية الثانية، أن الحكومات لم تتحرك لسن عقوبات صارمة لممارسة الدجل مهما كانت أسبابه ونتائجه، صغيرة أم كبيرة، حتى صار هناك أكثر من 300 ألف محتال يمارسون مهنة السحر والشعوذة بمصر، حسب مركز البحوث الاجتماعية الذي يعتبر إحدى الجهات الرسمية ترسم من خلالها المؤسسات الحكومية خططتها المستقبلية.

ورأت هالة منصور الأكاديمية والمتخصصة في علم الاجتماع، أن الخطر الأكبر يكمن في تحول المشعوذين إلى متحكمين في قرارات وتصرفات شريحة كبيرة من الناس، هذا يستشيرهم في أفعاله قبل القيام بها، وذلك يطلب منهم النصيحة، وهو ما يكرس تغييب الوعي والجهل ويجعل الكثيرين يرتكبون أخطاء فادحة في حياتهم.

وأوضحت لـ”العرب”، أن ظاهرة الدجالين كرست استسلام عقول شريحة كبيرة لفكرة المؤامرة، ما تسبب في تصدع العلاقات بين الناس، والأدهى أن البعض يفضل الذهاب إلى المشعوذين عن زيارة الطبيب النفسي، بدعوى تجنب الوصمة المجتمعية والهروب من تهمة الاختلال العقلي، وهذه ثقافة منتشرة بين الأميين والمتعلمين.

يتطلب وقف احتيال السحرة والعرافين على الأفراد في أيّ مجتمع وضع إستراتيجية شاملة على مستويات قانونية وثقافية وإعلامية ودينية وتربوية، طالما أن الضحايا من مختلف الفئات والطبقات، بسطاء وأغنياء وأميين ومتعلمين، قبل أن يتحول المشعوذون من مجرد هواة لجني المال إلى متحكمين في قرارات الشعوب.

20