العراقيون بلا وطن في دولة الميليشيات

دولة كالعراق، عليها أن تعود إلى نتاجات النص السياسي والإنساني لتجارب شعوب ما بعد كارثة الحرب العالمية الثانية للدول المهزومة أو المنتصرة في الحرب.
الأربعاء 2018/11/21
سلطة واسعة للمليشيات

باستمرار العملية السياسية في العراق وتركها دون كوابح للإيقاف الإجباري من قبل الدولة المحتلة، ونعني بها الولايات المتحدة الأميركية خاصة بعد التصريحات المتكررة للرئيس دونالد ترامب منذ حملته الانتخابية بخطأ الاحتلال، ستزداد العملية السياسية سوءا بفسادها المستشري ومخازي السلطة وتقاسم المنافع المالية وما يتفرع منها كشبكة على صعيد الإدارة والاستحواذ على المناصب وتفاصيل يومية غير مرئية لكنها تطفو على السطح بعمليات إرهابية وحرائق واغتيالات وتهجير عوائل أو تجويعها، أو بفضائح تمتد إلى الخارج بالعمل الدبلوماسي وفوضوية التعيينات واحتكارها وما يصدر من انتهاكات تسيء إلى صورة العراق الذي مازلنا نراهن على عودته في لحظة فاصلة.

كتاب حكومات الاحتلال الإيراني بغلافه الأميركي؛ تضاف له مع الدورات الانتخابية فصول من الفساد والجرائم والإبادات والتخريب، ودائما بمقدمة تتحدث عن الآمال العظيمة للشعب اليائس بذات الذين جربهم، مرارا وتكرارا، من الأحزاب الطائفية بولائها العقائدي الثابت الذي لا يرى في حكم العراق سوى مزيد من الدعم لمشروع ولاية الفقيه الإيراني في تصدير الإرهاب إلى الأمة العربية.

العراق بالنسبة لهؤلاء مرتهن لمجموعة إجراءات سياسية ولو تحت سقف الإدارة الأميركية، وذلك من بعض منطق المناورة في التعامل مع الديمقراطية الدخيلة، أو مباركة تفتيت مؤسسات الدولة، أو تهميش الآخر على منوال قوانين الاجتثاث أو ما هو أشد فتكا وأثرا في الاستهداف المجتمعي وتهيئة الأجواء والظروف لولادة الإرهاب وبرامجه وبما يستدعي وجود الميليشيات وملحقاتها.

العراقيون صار لزاما عليهم التوقف المفاجئ السريع والمباغت لخلق واقع من الصدمة طالما راهنت على استحالته قوى سياسية ومذهبية وثقافية روجت لموت مفاهيم الثورة والإيمان بقدرة الشعب، أي شعب، على إحداث الفارق ووضع حد لمهزلة التخادم بين الاحتلالين الأميركي والإيراني، رغم الفوارق الجوهرية بينهما.

تستند تلك القوى إلى تغير وسائل الإعلام والاتصال، أي بنظرتها إلى البيان رقم واحد بما يعنيه من انتهاء صلاحية الثورات لتعدد الأصوات والأصوات المضادة، متناسية عن عمد تعددية مصادر الخطر الذي تشكله الدولة أو النظام السياسي في دولة كالعراق، اجتمعت على التناقضات في ركوب الشخصيات الأكثر تطرفا وطائفية على ظهر الاحتلال الأميركي وسلاحه، ثم محاولتها الانسلاخ عنه برفع سلاح الميليشيات تحت بند المقاومة ومحورها الذي تمكن مؤخرا من فرض هيمنته داخل البرلمان وفي تشريع القوانين المسبقة لحمايته من أي دولة مقترحة غير دولته.

في الفكر السياسي تتعرض دول كبريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة إلى انتقادات حادة تطال التشريعات الديمقراطية الراسخة في هذه الدول من باب تطور حقوق الإنسان وتجاوزها إلى مرحلة الحقوق الأساسية الملزمة كحق التعبير أو المشاركة في الانتخابات وغيرها من سمات باتت تعرف بنماذج الإقدام في انتشال الناجين من تحت أنقاض الحرب العالمية الثانية، أي إنها قياسا إلى الحاضر أكاذيب صغيرة أملتها فترة انتشاء بنهاية المأساة وبداية مرحلة استقرار وبناء مختلف ما عاد منسجما مع خطى الألفية الثالثة.

استقرار القوانين والمفاهيم بما تحول منها إلى أعراف، لن يترك النوافذ مفتوحة أمام القوانين لتجد لها متسعا من الانفتاح على مستقبل أكثر شمولية، قد تتعلق به دول، ومنها العراق، مازالت تعاني من تبعيتها لنظام دولة تقتدي بروح ونص سلطة الميليشيات في فرض شرعيتها أو إطالة أمد وجودها، ولو بكذبة تتبنى حداثة النظم السياسية وما جادت به الديمقراطيات في صياغة التقدم للمجتمعات الأكثر تمدنا.

نريد القول إن أوروبا والولايات المتحدة واليابان والصين وروسيا، عرضة للانتقاد في قوالبها السياسية، وبعضها بمثابة أيقونات للنظم السياسية والإنسانية، لكنها مع التطور تحولت إلى مجموعة وثائق رسمية تتراكم فيها القوانين والمعايير إلى درجة التمادي في استلاب المواطن ومصادرة حياته وجهده وبذات تلك الأيقونات أو الأنظمة؛ يحصل ذلك مع مفارقة حقوق الإنسان بما مهدت له من مصائب كبرى على خطى الاحتلالات المتعددة، وهي رائجة اليوم في تصريف مبادرات السلام على أنقاض الإنسان وبقاياه حيث تبدو كلمة الحقوق بلا معنى.

الأغلفة المتعددة لن تنقذ العراق من نصه السياسي المتخلف؛ وإذا كانت دول عريقة في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية عرضة للانتقاد والمراجعة حد الارتباك في توجهات مواطنيها أو ناخبيها أو بثغرات ديمقراطيتها، فإن دولة كالعراق بما مرت به من محن، عليها أن تعود إلى نتاجات النص السياسي والإنساني لتجارب شعوب ما بعد كارثة الحرب العالمية الثانية للدول المهزومة أو المنتصرة في الحرب، فالباعث لديهما كان مشتركا في النزوع إلى المصالحة مع الحياة أولا.

9