العراقيون شعب سيء الحظ

الجمعة 2016/05/20

إذا كان النظام السياسي في العراق قد فشل بطريقة لا تقبل النقاش في حل مشكلة الحكم، فهل من المعقول أن يكون ذلك النظام قادرا على بناء دولة تكون بمثابة الملاذ الذي يحتمي به العراقيون ويعودون إليه في تصريف شؤون حياتهم؟

ليس من الحكمة في شيء أخذ سياسيي العراق الجديد على محمل الجد.

إنهم موجودون في السلطة لأسباب كثيرة، ليس من بينها أهليتهم لإدارة شؤون بلد، لم تُبق الحروب المتلاحقة فيه شيئا من بنيته التحتية. إنه بلد من تراب، فقد الكثير من مقومات الحياة، وفي مقدمتها تمكن الإنسان من إرادته الوطنية وتوظيفها بطريقة حرة مستقلة، تضمن له أن يكون سيد حياته.

العراقي اليوم هو ابن الصدفة. يعيش بالصدفة ويموت بالصدفة. وما بين عيشه وموته تمتد مجموعة هائلة من المصادفات، هناك حيث يكمن سر ثرائه وفقره، سروره وتعاسته، نعيمه وجحيمه، تألق نجمه وخسوف قمره.

ما من شيء يمكن أن يفعله العراقي لتغيير واقع حاله وقد سطا رجال الدين المسيّسون على آخر رجاء لديه. نعمة أن ينفرد بالدعاء إلى خالقه ليخلصه من الوهن والضعف والتخاذل الذي هو فيه. لقد تم توظيف الأدعية طائفيا، فصارت هي الأخرى موقع فتنة، يكشف المرء من خلالها عن سوء طويته.

حسب الرواية الحكومية فإن تنظيم داعش وصل إلى قلب العاصمة العراقية وضربه. وفي كل المرويّات التي تضفي على الحشد الشعبي، الذي هو نوع من الحرس الثوري الإيراني، شيئا هائلا من القداسة تقول الجملة الأولى إن ذلك الحشد كان هو السد الذي وقف في وجه التنظيم الإرهابي ومنعه من دخول بغداد، ليضيفها إلى ممتلكاته.

ترى أين كان ذلك الحشد حين تسلل الدواعش إلى العاصمة العراقية واستباحوها وسفكوا دماء سكانها؟

يعرف العراقيون أن ذلك الحشد، الذي هو تجمع ملفق يضم مجموعة الميليشيات التي ارتكبت في أوقات سابقة جرائم ضد الإنسانية، هو في حقيقته صنيعة الوضع السياسي الملتبس والمحتقن والقابل للانفجار في أي لحظة.

وإذا ما كان قد تم توظيفه في أوقات سابقة من أجل تنفيذ مهمات طائفية قذرة، كالإبادة الجماعية والتطهير الطائفي ونشر الذعر والخوف بين المدنيين فإن ذلك الحشد الملفق الذي يتوزع بين ولاءاته الحزبية قد يكون أداة لتقسيم الوطن وليس لتوحيده أو الدفاع عنه في وجه أعدائه، وفي مقدمتهم في المرحلة الحالية تنظيم داعش.

إذا كان داعش فعلا هو الذي نفذ العمليات الإجرامية التي ضربت العاصمة العراقية فإن ذلك يعني واحدا من أمرين. إما أن حماية بغداد من السقوط كانت مجرد كذبة أريدَ من خلالها تضخيم دور الحشد الشعبي، وإما أن ذلك الحشد قد تخلى في خضم الصراع الشيعي – الشيعي الدائر حول الحكم عن مهمته في حماية العاصمة.

ولا نفارق الواقع حين نؤكد أن الحشد الشعبي ما هو إلا تجمع عاطلين عن العمل، وجدوا في الانتساب إلى الميليشيات فرصتهم الوحيدة للتوظيف في بلد يعج بالعاطلين بعد أن اندثرت فيه فرص العمل الحقيقي في ظل تفشي الفساد.

ليس من الصواب أن ينتظر العراقيون من الحشد الشعبي إذن شيئا نافعا.

ولأنهم يعرفون أنهم شعب سيء الحظ فإن خياراتهم اليوم محصورة بين السيء والأسوأ. لقد جربوا ذات يوم أن يستفهموا في إطار سوء الطالع فقيل لهم “هل تريدون إياد علاوي؟ إليكم إذن نوري المالكي”.

لذلك يتردد العراقيون كثيرا حين يعبرون عن رفضهم لسياسات حيدر العبادي مخافة أن يقعوا في الأسوأ منه.

كاتب عراقي

9