العراقيون في تكريت ينسون الذكريات المؤلمة في حدائقهم المنزلية

الحديقة المنزلية تعبر عن عشق أهالي تكريت للزهور، وهي من الأمور المهمة لأنها تشكل متنفسا لهم في ضوء انعدام المتنزهات والمساحات الخضراء وأماكن التنزّه.
الاثنين 2018/04/02
تشكيلة متنوعة من الورود الزاهية

تكريت (العراق)- “تعد الحديقة المنزلية من الأمور المهمة في تراث مدينة تكريت العراقية، لأنها تشكل متنفسا وتعبيرا عن عشق الزهور وعالمها المليء بالألوان والعطور”، حسب ما أفاد به خلدون التكريتي (50 عاما) وهو أستاذ جامعي.

وما إن عادت الحياة إلى طبيعتها في مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين شمالي بغداد بعد عودة سكانها إليها إثر تهجيرهم على أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية حتى شرع السكان في إعادة ترتيب منازلهم وفق أولويات حياتية تبدأ من الأهم ثم المهم.

ويقول التكريتي “حرصت على إعادة الحياة لحديقة منزلي في أول يوم عدت فيه إلى المدينة وبعد أن توفرت المياه اللازمة لسقيها وبدأت الحياة تعود شيئا فشيئا إليها، فقد كنت من المغادرين المتأخرين للمدينة بسبب خشيتي على حديقتي المنزلية التي تضم أصنافا نادرة من الزهور”.

 

العراقيون يسعون إلى نسيان سنوات الحرب، سنوات عاشوا فيها الفقر والتشرّد والظلم زادها تنظيم الدولة الإسلامية رعبا، الآن لا يريد العراقيون إلا الإقبال على الحياة بالفنون والعمل، وفي تكريت المدينة التي عرفت أهوالا يقبل سكانها على زرع الورود والزهور بألوانها الزاهية التي تبعث على الفرح بعبقها الذي يطرد رائحة البارود والموت، مدينة بلا حدائق عمومية اختار أهلها أن يزرعوا حدائق في منازلهم ليظل موسم الربيع دائما

ويوضح التكريتي قائلا إن “حديقته تضم أصنافا نادرة من الزهور كالجربرا والسيلفيا وبعض زهور النرجس، والتي تتطلب بيئة خاصة بها، فضلا عن الكاردينيا العطرية، ومختلف أنواع الزهور العراقية الشهيرة، كزهور الجوري والجنبد، وهي من فصيلة الروز بألوانها وأشكالها المختلفة”.

تعد الحديقة المنزلية من الأمور المهمة التي يحرص عليها سكان تكريت لأنها تشكل متنفسا لهم في ضوء انعدام المتنزهات والمساحات الخضراء وأماكن التنزّه، وهي أيضا “تعبير عن عشق للزهور وعالمها المليء بالألوان والعطور”، كما يقول التكريتي.

ويشير إلى” تزايد الاهتمام وكثرة الطلب على بعض الأشجار دائمة الخضرة التي تشكل ظلا للزهور الموسمية في أيام الحر اللاهب في الصيف، والتي تتجاوز في أغلب الأيام الخمسين درجة مئوية”. مصدر الزهور الأساسي في تكريت هو المشاتل التي لا تخلو منها منطقة من مناطق تكريت، لكن معظمها يتركز في المدينة القديمة القريبة من نهر دجلة بجوار السوق الرئيسية للمواد الغذائية والتموينية في المدينة والتي يزورها المتسوقون من مختلف المناطق المحاذية لتكريت.

واصطحبنا خلدون إلى مشتل زهور تكريت، الذي يضم أنواعا نادرة من الزهور التي حرص صاحب المشتل، علي محمود، على جلبها من مختلف المحافظات التي تهتم بالزهور، كما أن هناك بذورا جلبها من الدول الأوروبية التي سافر إليها، وخصوصا هولندا التي تعد البلد الأول في العناية بالزهور، حتى صارت الزهور تشكل موردا مهما من موارد الاقتصاد في البلاد.

يقول محمود “تشكل أيام الربيع وقت الذروة في بيع الزهور وتداولها بين المهتمين، وهناك إقبال ممتاز على الزهور في تكريت حيث يكثر الطلب على مختلف الأنواع ، وحسب أذواق الناس واهتماماتهم”.

ويوضح محمود أن” الكثير من الزبائن يهتمون بالزهور العراقية التقليدية، وفي مقدمتها زهرة الرازقي، التي تعد الزهرة العطرية الأولى في العراق، والتي تغنى بها الكثير من الشعراء في قصائدهم والكثير من المطربين في أغانيهم، فضلا عن زهور الروز، والشبّوي، والأقحوان، والجهنمي، والنسرين، فيما تهتم عائلات أخرى بالزهور المستوردة كالسيلفيا، والزنابق، والأصناف المهجنة والظليات، وأنواع الاثل، وشتلات الأسيجة، كألنينيا والاس، وأنواع المتسلقات”. ويلاحظ أن النساء يشكلن أعدادا متزايدة من زبائن المشاتل، وغالبا ما يقتنين أنواعا غالية ونادرة من الزهور أو الظليات المورقة والمزهرة.

تقول ليلى حسين (معلمة تبلغ من العمر 35 عاما) إن” عشقها للزهور وخصوصا النادر منها بات يشكل عبئا على موازنة المنزل”، مضيفة “حديقتي والاهتمام بها وبتزويدها بكل جديد من الزهور هي مصدر راحتي النفسية، وهي جزء أساسي من اهتماماتي اليومية”.

مصادر الزهور في مشاتل تكريت متنوعة، وتأتي غالبا من مناشئ عراقية خصوصا العاصمة بغداد ومحافظات شمالي العراق، ويلجأ أصحاب المشاتل إلى السوق الأقل سعرا والتي يمكن أن تشهد إقبالا من قبل الشرائح الأقل دخلا.

يقول التكريتي إن” معظم الزهور تأتي من مشاتل بغداد العملاقة في منطقة الكريعات شمالي العاصمة، فيما نحصل على بعضها وخصوصا النادر منها من محافظات شمالي العراق، لأنها أقل سعرا

بسبب انخفاض  

الأداءات الجمركية والضرائب عليها”. وحرصا على الاهتمام بالحدائق ومستلزماتها في تكريت أنشأ بعض المهتمين بها مكاتب لرعاية الحدائق وتجهيز مستلزماتها وبناء “النافورات” متعددة الأشكال والمساقط المائية، وتقديم الاستشارات حول كيفية العناية بالنباتات والأوقات الملائمة للزراعة، وقطف الزهور، وجني البذور، خصوصا الزهور الموسمية التي لا تحتاج إلى الكثير من العناية ويمكن لصاحب الحديقة زراعتها والاهتمام بها دون شرائها من المشاتل.

ويتجاوز الاهتمام بالحديقة المنزلية الزهور والظليات إلى النباتات المثمرة التي يأتي النخيل في مقدمتها، وخاصة الأصناف الممتازة كالبرحي والساير والمجهول وأنواع العنب العراقي كالكمالي والشدّه وديس العنز، والتي تُصنع منها دوالي العنب، وهي ذات فائدة مزدوجة؛ جمالية وإنتاجية. كما أنها توفّر الظل في أوقات الصيف الطويل.

20