العراقيون من فكرة الخوف إلى الخوف من الفكرة

الخميس 2015/09/03

دائماً نفكر بإسرائيل من وجهة نظرنا كمسلمين، لماذا لا نفكر بهذه التجربة من وجهة نظر اليهود أنفسهم. أن يعود بنو اسرائيل بعد ألفي عام من الشتات والعذاب والألم إلى هيكل سليمان، وأورشليم، وحائط المبكى، وتابوت العهد. يعودون من كل أنحاء العالم بمزامير داود، وذكريات السبي البابلي الحزين، ونشيد الإنشاد، وأغاني التوراة التي تتحدث عن كفاح أنبيائهم.

جاء اليهود من كل القوميات والأعراق واللغات والأوطان واختاروا الجنسية الإسرائيلية، نراهم يتعاونون، معا، لبناء وطن قومي جديد تحت الشمس. إسرائيل دولة جديدة تخرج من رحم أسطورة، وبما أن مواطنيها من كل أنحاء العالم، فإن ذلك منح الأربعة ملايين اسرائيلي تلك الخبرة العالمية التي قهروا بها مليار مسلم.

بقوة المهاجرين وليس بقوة المحليين، أصبح كل اليهود حول العالم بقدراتهم العلمية والاقتصادية قوة ومؤسسات عبارة عن سفارة سياسية متقدمة ومخلصة لإسرائيل، التي هي في نظر اليهود الدولة الحلم، والأسطورة، والوطن القومي.

لو كانت التجربة الاسرائيلية إسلامية وليست يهودية هل يؤيدها المسلمون أم لا؟ هذا ما سنعرفه من خلال تجربة داعش.

معظم الدواعش متأثرون بقصة موسى تحديدا، يقولون إن تيه وشتات بني إسرائيل هو مصدر قوة العقيدة، لأن التيه لأربعين عاما قد أهلك الجيل القديم الذي نشأ على العبودية في مصر، ونشأ جيل جديد قادر على دخول الأرض وهزيمة الكنعانيين. لهذا المشكلة اليوم في عبور أوروبيين إلى الدولة الاسلامية، ولا توجد مشكلة في عبور مسلمين لاجئين إلى أوروبا. وتسمع الدواعش يكثرون من ترديد تلك الآيات المتعلقة باستبدال الله للمحليين بقوم آخرين إذا كانوا مترددين.

وبعد أن يهاجر السكان المحليون إلى الخارج، ويبني المستوطنون الأجانب بلادا جديدة، هل يحق للمحليين العودة والمطالبة بالأرض أم لا؟ دولة جديدة مبنية على عقيدة دينية وتستقبل مهاجرين ولا حدود واضحة لها؟ لابد أن يذكرنا ذلك بشيء ما أليس كذلك؟

الغريب أن كل ما يجري يصب في النهاية لصالح الدواعش، فإذا تم فتح اللجوء إلى الغرب لمنع الشباب السوري والعراقي من الانتماء للدولة الإسلامية تحت ضغط اليأس، فإن ذلك سيؤدي إلى تردد الشباب في القتال ضد الدواعش أيضاً. فلماذا تقاتل وتموت وغيرك يراقص الشقراوات، ويفجر الشامبانيا في لاس فيغاس؟

إيران تقوم بإنزال الشعارات المعادية لأميركا من جدران المساجد بعد الاتفاق النووي، هذه المشاريع العقائدية عادة ما تتمتع بالمرونة في رفع وخفض درجة التطرف الديني حسب المصالح

ثم إن المشايخ الذين نصحوا السنة بتجنب القتال والفتنة ماذا سيفتون حين يعظم شأن الدواعش الإرهابيين؟ هل سيغيرون رأيهم ويشجعون السنة على القتال؟ إن تركيز الدواعش على الأجانب جعل المعركة بينهم وبين الأميركان تدور حول الأرض وَمَنْ عليها، أي “وراثة الأرض” بمعنى أن المحليين أصبحوا مجرد مادة للصراع ولم يعودوا العنصر الحاسم فيه.

لقد تعلم الدواعش كثيرا من تجربة الصحوات التي تقاتلهم من السنة، تماماً كما استفاد ابن سعود (توفي 1953) في التاريخ الحديث من تجربة سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، التي كانت بسبب خيانة القبائل واستعدادهم للانقلاب مع القوي في أي لحظة. لهذا تم تأسيس الهجر على أساس عقائدي، تلك المعسكرات التي انطلق منها في ما بعد إخوان مَن أطاع الله. نجد بأن الدواعش، من جهتهم، قد أسسوا المعسكرات الانتحارية والمقاتلين الأجانب ليكونوا سيفا على رقاب شيوخ القبائل، الذين يكونون عادة الحليف المنشود لأي مشروع متعلق بقتال المتطرفين.

نحن لا نستطيع تجاهل ما يجري على أرض الواقع. خصوصا وأننا أمام تجربة تصدير للثورة وتهديد للهوية الوطنية والسلم الأهلي كالخمينية تماماً. فما هو الخميني؟ أرض اسمها إيران، وشتات شيعي محيط بإيران وحول العالم من اليمن إلى العراق، هذا الشتات المذهبي هو مادة المشروع الصفوي، وركيزته منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وهناك في المنطقة المشروع الاسرائيلي وشتاته حول العالم. بينما العرب يغنون “بلادي بلادي احتلها الأميركان”، “وطني العظيم يقصفه العلويون بالبراميل المتفجرة”، “المجد للوطن يحكمه السيد حسن”، “وطني وطني متى نصل تهريبا إلى دول اللجوء الأوربية”؟

لولا الضغط العالمي على الإرهابيين فلا شك عندي بأنهم سيبنون دولة غنية، معظم المليارات هي عند المتطرفين الإسلاميين، ويمكن للحماسة الدينية الوهابية أن تتحول إلى رافعة اقتصادية وتكنولوجية بوقت قياسي. لقد لاحظنا ذلك في تجارب متطرفة كثيرة في التاريخ الحديث منها الستالينية الشيوعية وألمانيا النازية وإسرائيل. لا يوجد شك في قدرة هؤلاء على خلق طفرات اقتصادية وعمرانية وتكنولوجية، إلا أن المشكلة طبعا تكمن في خطرهم على العالم والسلام، وأيديولجيتهم العدائية للحياة.

الاحتجاج بأن الحركة الصهيونية علمانية، رغم أن هدفها بناء وطن قومي للدين اليهودي لا يعني شيئا، فهذه إيران تقوم، اليوم، بإنزال الشعارات المعادية لأميركا من جدران المساجد بعد الاتفاق النووي. أي أن هذه المشاريع العقائدية الطموحة عادة ما تتمتع بالمرونة في رفع وخفض درجة التطرف الديني بحسب المصالح. ويمكن للدواعش بعد خمسة عقود أن يتحولوا إلى مؤسسة عقلانية أيضاً، كل شيء جائز.

نحن نعيش اليوم في أساطير العهد القديم وليس في القرن الواحد والعشرين. الأحداث أسرع من قدرتنا على الفهم. أحد الأصدقاء، وهو دكتور في الفلسفة، لخص أفكاري لهذا اليوم بسطر واحد بعد أن أصغى باهتمام قائلا “يا أسعد خلاصة القول إن الدولة الإسلامية قد انتقلت بالمنطقة القلقة بعد عام واحد من فكرة الخوف، إلى الخوف من الفكرة”.

كاتب عراقي

8