العراقيون وسلطة الرمز الديني

الخميس 2015/05/21

نعني بـ”السلطة” هنا قوة بداخل الفرد تؤثر في سلوكه وتوجهه نحو أهداف معينة، ونعني بـ”الرمز” شخصا حقيقيا أو افتراضيا، حيا أو ميتا، له قدرات استثنائية على إنجاز مهمات وحلّ مشكلات ليس بمستطاع الفرد العادي تحقيقها، ويصبح الفرد والرمز حالة واحدة من خلال آلية نفسية هي التوحّد “Identification”.

تاريخيا، دخلت عن طريق هذه الآلية النفسية “فكرة” الرمز إلى لاوعي الفرد يوم كان أجدادنا القدماء يؤمنون بقوى غيبية وكائنات خرافية لها فعل مؤثر في الكون والإنسان من قبيل: الزلازل، الطوفان، الرعد والبرق. حتى أن اختلال عقل الإنسان أو إصابته بالجنون، كان يخضع للتفسير ذاته. فأسلافنا كانوا يعالجون المجانين بفتح ثقوب في جماجمهم لتخرج الأرواح الشرّيرة من أدمغتهم بالتخويف والتهديد.

وما يزال بعض العراقيين يربطون المجنون (أي المصاب بالشيزوفرينيا) بشباك ضريح إمام ليخرج الجني من رأسه، وشهدت بنفسي رجلا يضربه (السيد) بالسوط ويزعق بالجني ليخرج متوعدا إياه بقتله في مشهد ميلودرامي.

ما حصل للعراقيين أن آلية التوحّد هذه انتقلت من التوسل بالرمز الديني لحل مشكلة صحية أو اجتماعية إلى التوسل به أن يخلّصهم من طاغية.. أبرزها أن جموع العراقيين كانوا في زمن النظام الدكتاتوري يقصدون أضرحة الأئمة يدعونهم لأن يخلصونهم من صدّام.

وبالمناسبة، كنّا أجرينا دراسة زمن الحرب العراقية الإيرانية لرسائل كانت مرمية في ضريحي الإمامين الكاظم في الكاظمية، وأبي حنيفة في الأعظمية، وجدنا أن مطالبها كانت من اختصاص وزارات الدفاع والداخلية والصحة: عودة أسير من سجون إيران، إطلاق سراح معتقل في بغداد، شفاء مريض، طلب إنجاب لزوجات مضى على زواجهن سنوات.. وتليين قلوب الأهل للزواج من المحبوب.

المفارقة، ما حدث للعراقيين في زمن النظام الديمقراطي، فلدى متابعتنا لمقابلات أجرتها قنوات فضائية مع زائرين وزائرات لضريح الإمام موسى الكاظم في (9/8/2007) وجدنا أن لديهم حاجات يأملون في تحقيقها من هذه الزيارة حددوها في إجاباتهم على ألسنتهم كالآتي: – “نريد الأمان.. أولادنا تكتلوا ‘قتلوا’ واحنه عايشين بخوف، وإلى متى نظل اللي يطلع من بيته ما يدري بروحه يرجع لو يموت”.

- “ونريد الكهرباء.. الله أكبر طكت أرواحنا”.

- “ونريد السياسيين يتصالحون ويديرون بالهم على الشعب مو يظلون يتعاركون على الكراسي والشعب حال الضيم حاله.. يزي عاد تره شبعنا تعب”.

ومنذ ذلك التاريخ (2007) وإلى الآن (2015) وهم يعرضون مظالمهم على الرموز الدينية دون أن يتحقق منها شيئا، بل ازدادت سوءا. وطبيعي أن لا شأن للإمام في ذلك، بل أن أي إمام (شيعي أو سنّي) لو خرج الآن ودعا المتخاصمين من السياسيين إلى المصالحة لما أطاعوه، ولو أنه حضر اجتماعا “واحدا” للحكومة لراعه أن يجد المسؤولين عن رعيته على هذا المستوى من الفساد والفتنة والضلال المبين.

إن أحد أهم أسباب عدم نجاح الديمقراطية في العراق هو أن المؤمن برمز ديني إلى حد التوحّد به، يصاب بخلل في السلوك والتفكير لا علاقة له بالرمز الديني، خلاصته أن طبيعة تفكير المتماهى برمز ديني تكون قدرية، بمعنى أنه يؤمن بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر مصدره قوى خارجية ليس له سلطة عليها أو تأثير فيها، وأن سلوكه يكون تعصّبيا وعدائيا وغير منطقي في تعامله مع الآخرين لا سيما الذين يختلفون معه في الرأي، لأنه يرى أنه وجماعته على حق والذين يعارضونه على باطل.

والحقيقة السيكولوجية الخفية هي أن اللاشعور الجمعي في العقل الشعبي المعبّأ برموز دينية يميل إلى أن يكون استاتيكيا يكره التغيير ولا يكون على توافق مع الديمقراطية، وأنه إذا أعلن قبوله بها (بالديمقراطية) فإن الرهان عليهم، أعني المتوحّدين برموز دينية، يكون كالرهان على القطط التي تدرّبت على حمل الشموع والتصرف بسلوك مهذّب، غير أنها ما أن رأت الفئران رمت الشموع وركضت نحوها لتأكلها.

وهذا ما هو حاصل وسيحصل في العراق إلى أن يضعف تأثير الرمز الديني في لاوعي الشخصية العراقية.. ولن يحدث هذا إلا بذهاب السياسيين الخبثاء الذين يعزفون على هذا الوتر، ومجيء حكومة يجد الناس الخلاص عندها في العيش بحياة آمنة هانئة، وحينئذ سوف لن تكون بهم حاجة إلى عرض مظالمهم على إمام أو انتظار رمز مخلّص.. قد يأتي وقد لا يأتي.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9