العراقيون يصومون رمضان بغصّة في القلوب وجيوب فارغة

غلاء الأسعار والوباء يسرقان أجواء التسوق والسهر طيلة الشهر الكريم.
الأربعاء 2021/04/14
العين بصيرة واليد قصيرة

يتحسر العراقيون على رمضان السنوات الماضية رغم أن الوضع كان صعبا أيضا، لكن هذه السنة تلتقي عوامل عديدة لتسرق الفرحة منهم ومن أطفالهم، فلا هم يستمتعون بالتسوق لإعداد إفطار يليق بالصيام بسبب غلاء الأسعار، ولا هم قادرون على السهر والضيافة بسبب تفشي وباء كورونا الذي يوصد الباب عليهم في بيوتهم.

بغداد – بينما يتسوقون استعدادا لشهر رمضان في سوق الشورجة المزدحم ببغداد، صُدم العراقيون بارتفاع الأسعار بشكل كبير، قال عمار أبوعلي، وهو واقف إلى جانب سلع لن تتمكن أُسر كثيرة من الاستمتاع بها كما كانوا يفعلون قبل خفض قيمة العُملة العراقية في ديسمبر الماضي، “أقول الله يعين هذا الشعب، وخاصة في هذا الشهر لأن الدولار صعد والأسعار اشتعلت، والوضع أصبح تعبان شبه منهار”.

ويستقبل نحو 40 مليون عراقي شهر رمضان بقلق، فيما جيوبهم فارغة وظروفهم المعيشية صعبة جدا بعد تراجع قدرتهم على شراء حاجاتهم الأساسية واستمرار تفشي وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية والصحية.

يقول تجار في سوق الشورجة، إن كيس الأرز الذي يزن 30 كيلوغراما، كان يُباع بنحو 30 ألف دينار عراقي (23 دولارا)، أصبح اليوم يُباع بنحو 45 ألف دينار (30 دولارا).

تقول أم حسين المسؤولة عن تربية خمسة أبناء وحدها منذ أن فقدت زوجها، “إذا أردنا أن نصوم، علينا أن نأكل بما يكفي، بينما سعر كيلوغرام الطماطم ارتفع من 500 إلى ألف دينار”.

وتجتهد المرأة البالغة من العمر 58 عاماً والتي لا تملك مصدر دخل ثابت، كل شهر، من أجل جمع 70 ألف دينار (نحو 48 دولارا) لسداد إيجار منزلها المتهاوي. وتعتمد لتأمين الغذاء على بطاقة تموينية، حالها حال 16 مليون عراقي يعانون من فقر مدقع.

وبموجب هذه البطاقة التي بدأت السلطات توزيعها منذ فترة الحصار الدولي على العراق في التسعينات، يحقّ لكل عائلة تكسب شهرياً أقل من 1.5 مليون دينار (نحو ألف دولار)، بالحصول على حصة غذائية شهرية.

وتتضمن الحصة ثلاثة كيلوغرامات من الأرزّ، وكيلوغرامين من السكر، وقارورة زيت وتسعة كيلوغرامات من الطحين، مقابل ألف دينار فقط (أقل من دولار).

Thumbnail

لكنّ أبا سيف البالغ من العمر 36 عاماً والذي ورث متجر توزيع حصص تموينية عن والده، يقول، “لم نتسلّم سوى حصص شهر واحد، وهو  شهر فبراير، منذ بداية العام”.

ويضيف، “لم نتسلّم أي حصة لشهر رمضان! وهناك كثر يسألون ويتصلون هاتفيا عن الحصة التموينية لشهر رمضان”.

ووعد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مؤخراً بتوزيع حصة تموينية إضافية خاصة بشهر رمضان، لكن حتى الآن لم يحصل ذلك، ولم تقدم وزارة التجارة المعنية بتوزيع الحصص توضيحا حول المسألة.

في الأثناء، تضاعفت ديون المشترين من متجر أبوعمار الذي بات يخشى توقف عمله في حال عدم تمكنه من شراء سلع لبيعها. ويقول، “عائلات كثيرة تتبضع بالدين. ووصلت ديون بعض منها إلى أكثر من مائتي ألف دينار”، أي نحو 137 دولاراً.

راتب العراقيين هذا الشهر يلعب ضمن مجموعة صعبة، كورونا ورمضان والعيد، من المستحيل أن يصل إلى النهائي

يعود ذلك بشكل رئيسي إلى ارتفاع الأسعار في عموم البلاد. فقد خفضت الدولة قيمة الدينار أواخر عام 2020، إثر انخفاض أسعار النفط الذي يشكل المورد الرئيسي لميزانية البلاد. وفقد الدينار 25 في المئة من قيمته أمام الدولار.

كما ارتفعت أسعار معظم السلع الاستهلاكية بشكل كبير، فبات سعر قارورة زيت الطعام 2250 ديناراً بعدما كان 1500 دينار (من نحو 1.2 دولار إلى حوالي 1.6 دولار).

فضلا عن ارتفاع الأسعار، تلاشت المداخيل وفرص العمل بسبب إجراءات الحظر الصحي المفروضة للحد من انتشار الوباء. ويعتمد عدد كبير من سكان العراق الذي يعاني منذ عقود من نزاعات وحروب، على أعمال بأجر يومي.

ووصفت منظمة الزراعة والغذاء (فاو) التابعة للأمم المتحدة الوضع في العراق بالحلقة المفرغة.

Thumbnail

وذكر تقرير للمنظمة، أن “أكثر من 90 في المئة من الشركات الزراعية الصغيرة والمتوسطة الحجم تقول إنها تأثرت بالوباء، ولمواجهة ذلك قام أكثر من نصفها بتسريح عمال أو خفض أجورهم”.

وأضافت، أن ذلك تزامن مع ارتفاع أسعار السلع الرئيسية وندرة بعضها، ما أغرق المزيد من العراقيين في حالة انعدام الأمن الغذائي.

وانعكس القلق من الأوضاع المعيشية على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تداول المستخدمون منشوراً يقول، “راتب هذا الشهر يلعب ضمن مجموعة صعبة، كورونا- رمضان – العيد، من المستحيل أن يصل إلى النهائي”.

وقال عبدالله، وهو بائع في سوق الشورجة ببغداد، “سبب ارتفاع الأسعار، هو ارتفاع الدولار وأصبح المواطن أو الموظف البسيط غير قادر على شراء حاجيات رمضان الضرورية مثل السنوات الفارطة”.

بالنسبة إلى حيدر، وهو موظف حكومي يبلغ من العمر 32 عاماً ويتقاضى 900 ألف دينار (نحو 620 دولاراً) شهرياً، يشكّل شهر رمضان مصدراً للهموم، بسبب “متطلبات البيت وملابس الأطفال” للاحتفال بعيد الفطر الذي يعقب رمضان.

ويضيف حيدر، وهو أب لثلاثة أطفال يقطن منزلاً بالإيجار عند أطراف العاصمة، “الراتب في الظروف العادية لا يغطي ما تحتاج إليه العائلة، وأحيانا كثيرة أضطر للاقتراض لأكمل الشهر، ولأدفع فواتير مولّد وإيجار البيت ومصاريف الأطفال”.

وبسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، تعتمد العائلات العراقية على مولدات خاصة للتعويض عن النقص، لكنها تكلّف 25 ألف دينار (حوالي 17 دولاراً) لقاء الأمبير الواحد، فيما كان سعر المولد سابقاً 18 ألف دينار (حوالي 14 دولاراً).

بالنتيجة، أصبح معظم السكان، مثل أبوأحمد الموظف الحكومي البالغ 33 عاماً، مرغمين على التخلّي عن العادات الرمضانية التي نشأوا عليها.

ويقول أبوأحمد، وهو ربّ أسرة من أربعة أفراد، “بسبب كورونا لن أدعو أحداً للإفطار في رمضان، الأوضاع الصحية صعبة جداً”، متابعاً “حتى اقتصادياً، لن أقدر على توفير متطلبات الدعوة بسبب غلاء الأسعار”. وقال أبوسيف، “لقد أجبرتنا جائحة فايروس كورونا على التوقف عن زيارة بعضنا البعض خلال شهر رمضان وحرمتنا من تقاليدنا وعاداتنا العراقية.. هذا الوضع مؤلم”.

Thumbnail
20