العراقيون يعرفون كل شيء

العراقيون، عندما تظاهروا واعتصموا، ويتظاهرون ويعتصمون، اليوم، وإن كانوا يرفعون مطالب توفير الخدمات والماء والكهرباء والقضاء على البطالة، لكن حقيقة مطالبهم هي الوطن، الذي سلب منهم.
الاثنين 2018/08/27
حقيقة مطالبهم هي الوطن، الذي سلب منهم

كانت خزانة البنك المركزي العراقي هدف الجنود الأميركان المحتلين، في أيام الاحتلال الأولى، ومغارة علي بابا المليئة بالكنوز، بالنسبة إليهم، وكان المواطنون العراقيون يعرفون كل ما يجري داخل مبنى البنك وكمية الأموال والمحتويات الأخرى، التي نُهبت منه، وكأنهم كانوا داخل المبنى مع الأميركان، فكانوا يتداولون تفاصيل ما جرى وما نهبه الجنود من البنك وما نقلوه وأين نقلوه.

في تلك الأيام، شاعت طرفة، أجد من المناسب إيرادها، تقول إن الرئيس الأميركي بوش الابن سأل أحد مستشاريه كيف يعرف العراقيون كل شيء ولديهم جواب لكل سؤال، فقال له المستشار إن لديهم سؤال يطرحونه على بعضهم وهو (شكو ماكو)، ومعناه ماذا تعرف وماذا لا تعرف، فإذا التقى عراقيان يطرحان على بعضهما هذا السؤال فتنتقل بينهم المعلومات بأسرع ما يكون.. وتضيف الطرفة أن بوش أراد أن يتأكد من ذلك فتزيا بزي عربي وتجول في بغداد، وجلس إلى جانب مسن عراقي في مقهى وسأله: شكو ماكو، فأجابه المسن العراقي: لا شيء، ولكن يقال إن بوش متنكر ويتجول في شوارع بغداد.

ومنذ أسبوع، يتداول العراقيون على شبكة التواصل الاجتماعي مقطع فيديو، يصور سرداب البنك المركزي العراقي عندما دخل إليه الجنود المحتلون، وجاء هذا المقطع مصداقاً لما تداولوه من تفاصيل، حينها، فعندما توجه الغزاة إلى القاصة (الخزانة) الحصينة حاولوا فتحها فأبت أن تنفتح لأنّها مُصمّمة بطريقة لا تُفتح إلاّ من خلال رقم سري ومفاتيح خاصة، وإذا حاول أحد فتحها عنوة فهي تُغرقْ نفسها بالماء حتى يمتلئ السرداب ويخرج منه كلّ من يحاول فتحها، فاضطر الأميركان أن يسحبوا المياه التي ملأت السرداب وأن يساوموا محافظ البنك المركزي العراقي عصام المُلا حويش، الذي كان أسيراً في معتقلاتهم، على حياته، فاضطر، كما تقول الرواية التي صاحبت المقطع الفيديوي، أن يُعلمهم بالكود وطريقة فتحها.

وإذا صحت هذه الرواية فإن الموقف المحرج الذي وقع فيه الملا حويش يشبه الموقف الذي وقع فيه الخليفة المستعصم، وهو آخر خليفة عباسي، عندما احتل المغول بغداد سنة 1258م وجلبوه إلى القصر المثمن، الذي يقع على بعد أمتار خلف بناية البنك المركزي العراقي وساوموه على حياته لكي يدلهم على كنوز الدولة، ولما دلّهم قتلوه.

كان في القاصة الحصينة خزين البنك المركزي العراقي من احتياطي العملة الصعبة لبلد غني كالعراق فسرقه الأميركان ومن جاء معهم من العراقيين، تم نقلوا هذه الأموال كلها وما هو موجود معها من ذهب ومصوغات لا تقدّر بأي ثمن إلى المطار الدولي، الذي اتخذ منه المحتلون قاعدة عسكرية أميركية، في حينها، ومن ثم نقلت إلى أميركا في اليوم نفسه، ولا تجرؤ حكومة بغداد، إلى هذه اللحظة، المطالبة بها.

والذهب، الذي سرقه المحتلون لم يكن سبائك الدولة فقط، وإنما كان معه آثار النمرود في شمال العراق وهي الآثار والمصوغات العائدة للملك النمرود وزوجته وأبنائه، والتي عثر عليها في الموصل، قبل الاحتلال، بأكثر من ستة عشر عاماً، وتم عرضها في المتحف العراقي، وعندما اطلع عليها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أمر بحفظها في مكان آمن، هو القاصة الحصينة للبنك المركزي العراقي لأنها ثروة العراق وهويته وإرثه، وتم حفظها وخزنها، فعلاً، في صناديق مُحكمة ومُغلقة مفاتيحها لدى مدير هيئة الآثار العراقية.

إن العراقيين، عندما تظاهروا واعتصموا، ويتظاهرون ويعتصمون، اليوم، وإن كانوا يرفعون مطالب توفير الخدمات والماء والكهرباء والقضاء على البطالة، ولكن حقيقة مطالبهم هي الوطن، الذي سلب منهم، وثرواته التي نهبها الاحتلال ومن جاء بهم وفرضهم حكاماً عليه، وهم يعرفون كل ما نهب منهم ويعرفون من نهب.

9