العراقيون يقاومون برد الشتاء بالوجبات الشعبية الساخنة

وجبات خاصة يعدها العراقيون في الشتاء لأنها تساهم في تدفئة الأجسام، واشتهرت العربات والمطاعم بأكلات تجذب متذوقيها من الأغنياء والفقراء برائحتها الشهية.
الاثنين 2019/01/07
نتدفأ بالحمص المسلوق

تراكم الشعوب تجاربها في الطبخ انطلاقا مما تجود به الطبيعة عليها مراعية في ذلك الظروف المناخية التي تعيشها، ففي العراق مثلا تقاوم ربات البيوت ومن بعدهن المطاعم برد الشتاء بإعداد الوجبات التي تكون ساخنة لتمنح الجسد دفئا بالإضافة إلى الإحساس بالشبع، لذلك يكثر العراقيون من طبخ الشوربات والأطعمة الدسمة، وهي ثقافة توارثتها الأجيال عن بعضها البعض منذ القدم، لكن بعض الوجبات لم تعد موجودة في البيوت وتوفرها المطاعم الشعبية التي زاد انتشارها في المدن العراقية.

بغداد- خبر العراقيون منذ قديم الزمان مناخهم، وتعلموا كيف يقاومون برد الشتاء، فالعباية لا تكفي لتدفئة الجسم، إذ لا بد من بعض الأطعمة الساخنة التي لا تسد رمق الجوع فحسب، بل تساهم في تدفئة الأجسام التي تشكو من انخفاض درجات الحرارة، فكان اللبلبي، والباقلاء، والعدس، والذرة، والشلغم والباجة، أكلات الشتاء التي تفنن في إعدادها العراقيون، فلا يكاد بيت يخلو من هذه الوجبات، واشتهرت العربات والمطاعم في المدن العراقية بجذب متذوقيها من الأغنياء والفقراء برائحتها الشهية.

اللبلبي ترويقة الصباح

تقول أم حسنين التي تستعد كل فصل شتاء بتحضير الأغطية وغسلها في الصيف وتركيب الصوبا النفطية، إن زادها لموسم البرد يكون من الأطعمة التي تعتمد على مكونات تراعي ميزانية البيت ولكنها غنية، فالعدس والحمص لا يغيبان عن مطبخها، وقد علمت أطفالها الخمسة أن ترويقة الصباح تختلف في الصيف عما هي عليه في الشتاء، إذ لا بد قبل أن يخرجوا إلى العمل أو المدرسة أن يملأوا بطونهم بما يغذيهم ويسخن أجسامهم، من ذلك مثلا تعد لهم وجبة اللبلبي التي تتكون من الحمص المسلوق والخبز والزيت مرة أو مرتين في الأسبوع، وهو ما لا يحبذه أطفالها الصغار، لكنها تحاول أن تقنعهم بمنافعها، وفي أحيان كثيرة تجبرهم على أكلها وهي تعلم أنهم يحبون طبق اللبلبي، لكنهم يفضلون تناوله مع أقرانهم من العربات أمام المدارس والمعاهد، أما باقي الأفراد -كزوجها وابنها البكر حسنين- فيقبلون على اللبلبي بنهم، لكنهم بعد أن يشبعوا يتساءلون لماذا يظل لبلبي العربات ألذ؟

هذا الكلام لا يغيظ أم حسنين، بل تجيبهم بأن ما تقدمه لهم أكثر نظافة، أي صحيّ، فلا يخاف أصحاب العربات على زبائنهم بقدر ما تخاف الأم على أطفالها، مزاح صباحي بين أفراد العائلة، فالشبع يفتح شهية المزاح ويبعث على النشاط، كما تؤكد الأم التي تقول إن حسنين ووالده يعملان في مجال الميكانيك، فلا بد لهما من غذاء يسندهما في يوم شاق وبارد.

وتضيف أم حسنين متحدثة عن طريقة طبخ اللبلبي، “أنقع الحمص في الماء طيلة ليلة كاملة، وبعد ذلك أطبخه على نار هادئة لمدة طويلة، ثم أضيف إليه القليل من الكركم لإعطائه اللون الأصفر، وأحيانا أخرى أضع له بعض الدجاج ليفتح الشهية في الأكل”، مؤكدة أن طريقة طبخه بسيطة، لكن بعض الإضافات والبهارات هي التي تميز لبلبيّا عن آخر. وتكثر في أسواق بغداد عربات بيع اللبلبي، كما تهتم المطاعم الشعبية بهذه الوجبة طيلة فصل الشتاء، حيث توفر معه زجاجات الليمون أو عصير النارنج أوالخل والفلفل الأسود، والشطة لمن يعشق الأكل الحار.

يرتاد مطعم أبوأحمد الذي اعتاد على بيع اللبلبي في الباب الشرقي من بغداد عمال وموظفون وطلبة، وقد أجاد طبخ الحمص مع توابل تجعل رائحته شهية تجذب الزبائن إلى حدود الساعة التاسعة صباحا، الوقت المعتاد لنفاد الكمية التي يعدها يوميا. ويبيع أبوأحمد أيضا الباقلاء، وهي أكلة عراقية مكونة من الباقلاء (الفول) المسلوقة وقد تفنن في طريقة إعدادها وتقديمها مع البيض والدهن الحرّ، مؤكدا أنها غنية بالبروتينات.

وتتناول العائلات العراقية هذه الوجبة في الصباح حيث يوضع الخبز البلدي في إناء ويسكب عليه ماء الباقلاء ويرش عليهما السمن والبيض المقلي، وهناك من يقدم معها في البيوت أو المطاعم بعض المقبلات كالطرشي والفجل والبصل الأخضر والليمون الحامض وغير ذلك مِما يتوفر من تلك المقبلات.

يقول سامر -وهو طالب جامعي اعتاد على هذه الأكلات الشتوية التي يتناولها في المطاعم أو العربات قبل دخول قاعة المحاضرات- إن العراقيين اعتادوا على مقاومة برد الشتاء بالوجبات الدسمة غير آبهين بنصائح اختصاصيي التغذية حول التأثيرات الصحية التي تتسبب فيها الأكلات الدسمة والدهنية.

الشلغم يمنح الدفء

أكلات تغيب مع انقشاع البرد
أكلات تغيب مع انقشاع البرد

الشلغم من الأطباق الشتويّة التي تعدّها ربات البيوت العراقية مرات عديدة خلال الفصل البارد، ويتألف هذا الطبق من الكبّة وحساء اللفت والسلق والبصل والحمص المجروش والسمن ومعجون الطماطم وعصير الليمون الحامض، فهي برأي العراقيين أكلة مغذية ومفيدة للجسم، تمنح الدفء في هذا الفصل البارد حسب رأي أم جاسم التي تؤكد أن مثل هذه الوجبة لا يتخلى عنها العراقيون إلا عند خروج الشتاء.

وعن طريقة إعداد هذه الأكلة تقول إن “أغلب العراقيات يحسن إعداد الشلغم التي تبدأ بغسل الشلغم جيدا وتقطيعه ووضعه في القدر، ثم يضاف له التمر أو الدبس، ثم نضعه على نار هادئة لينضج فنقدمه لأفراد العائلة كي يمنحهم الدفء”. ويتجمع العراقيون أيضا أمام العربات أو في المطاعم التي تقدم وجبة الشلغم التي تفوح رائحتها المحلاة بالدبس أو التمر.

حسن امتهن بيع الشلغم منذ تخرج في الجامعة، ولم يجد عملا في الدوائر الحكومية، وساعده في ذلك أنه كان يشتغل معينا لأحد أقربائه الذي كان يمتلك مطعما لبيع الأكلات الشعبية التي تجد رواجا لها بين العراقيين، فتعلم إعداد الشلغم، يقول “صارت عندي أسرار طبخ الشلغم وبهاراته الخاصة التي لا أفصح عنها، فهي تجعل الزبائن لا يفوتون رائحته الطيبة، أقدمه لهم ساخنا على أنغام فيروز، رجعت الشتوية”، ويؤكد حسن أن “من الزبائن من لا يكتفي بطبق واحد من هذا الطعام المليء بالسعرات الحرارية الضرورية لتدفئة الجسم”.

تقول سلمى (ربة أسرة) “من الصعب أن أمر على عربة حسن دون أن أشتري لي ولأطفالي الوجبة التي يحبذها أطفالي حلوة بالدبس، فحين أتناولها تعود بي الذاكرة إلى شتاء الطفولة والذكريات الجميلة”.

تزدهر وجبة الباجة في عموم العراق في الأيام شديدة البرودة والممطرة، وتحتل مكانة لدى من يمتهنون أشغالا تتطلب القوة البدنية كالحدادة والبناء، كما تجذب بنكهتها التي تفوح في شوارع بغداد كل شرائح البغداديين، فقراء وأغنياء وفنانين وأدباء، وتجمع السياسيين ورجال الدين بعيدا عن الطائفية والخلافات الحزبية. ويعرف طبق الباجة في بعض الدول العربية بأسماء مختلفة مثل “المقادم” في دول الشام و”الكوارع” في مصر و”الهرقمة” في تونس.

وتتكون الوجبة من رأس الغنم أو البقر وأقدامه والأمعاء، وتمر بمراحل طبخ عديدة، تبدأ بتنظيف رأس الشاة ثم تجهز السيقان والأحشاء وتغسل جيدا قبل أن يتبّل اللحم بمسحوق الكاري ويسلق على نار هادئة، ليتكون في النهاية حساء شهي.

ويتفنن العراقيون بحسب المناطق في طريقة إعدادها، يقول أبوالحكم صاحب مطعم للأكلات الشعبية في بغداد، “بعد أن تأتينا الأقدام ولحم الرأس والأمعاء من المجازر، ننظفها جيدا أكثر من مرة، وبعدها تطبخ على نار هادئة. ويحتاج طبخها إلى مهارة، إذ نتابع العملية بكل صبر، فحين تطفو على سطح القدر بعض الرغوة نزيلها، كما نحتفظ بالدهن الذي يتكون على سطح القدر للاستفادة منه في تطعيم الثريد لاحقا” .

وعلى الرغم من مكوناتها التي تأتي من بقايا الأغنام إلا أن الباجة تعتبر وجبة فاخرة تقدم مع البصل والطرشي، ويقبل عليها العراقيون في صباح أيام الشتاء الباردة لما لها من قيمة غذائية عالية. ويقبل عليها الساهرون والسكارى في آخر الليل، فتراهم يقفون أمام العربات أو المطاعم الشعبية رغم أنهم كانوا في مطاعم فاخرة، إنها وجبة غنية تسندهم بعد طول سهر.

واشتهرت مطاعم الباجة في بغداد والمدن العراقية، منها مطعم الحاتي وسط بغداد، وينسب إلى إبراهيم العامري إنشاء أول مطعم متخصص في هذه الأكلة وسط العاصمة العراقية سنة 1935، وهو أول من لقب بـ”الحاتي” وتعني باللهجة العراقية اللحم تحت الوجه.

رافد الحاتي حفيد إبراهيم، ويدير أحد مطاعم الحاتي في منطقة الكرادة بعد أن أصبح سلسلة منتشرة في بغداد، يقول “إن علاقة العراقيين بـالباجة قديمة جدا، وكانت تطبخ وتباع في الأزقة والحواري البغدادية القديمة، قبل أن يبني جدي أول مطعم لها”. المطعم اكتسب شهرة واسعة، ومن أشهر رواد المطعم طيلة سنوات القرن العشرين، نوري السعيد ونجله صباح نوري السعيد وارشد العمري وعبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، بحسب ما يؤكد رافد الذي يؤكد أن زبائنه من جميع الطوائف العراقية. ويضيف “أن تحضيرات الباجة تبدأ خلال الليل بإيقاد النار تحت القدور الكبيرة وفيها الماء وأجزاء الرأس المقطع ونوع خاص من البهار، لتتحول في النهاية إلى طعم لذيذ تفوح رائحته الزكية لتجذب الزبائن الذين اعتادوا تناولها منذ الساعات الأولى من الفجر”.

طبخ الباجة صار نادرا في البيوت العراقية لما تتطلبه من عناء التنظيف والوقت الطويل في مراقبتها على النار الهادئة، لذلك صارت العائلات تخرج لتناولها في المطاعم ومن العربات ربحا للوقت وبعض الراحة.

مطبخ غني يجمع  الكل

أكلة الفقراء يحبها الأغنياء
أكلة الفقراء يحبها الأغنياء

لا يقتصر إعداد الأكلات الشتوية في العراق وخاصة المدن على العربات والمطاعم الشعبية، بل تجتهد ربات الأسر وخاصة من لا تعملن خارج البيت، في إعداد وجبات  تجمع أفراد الأسرة في المنزل، من ذلك شوربة العدس والذرة المشوية التي تجمع العائلة حول المدفأ والبلوط المشوي على الصوبا، وكذلك وجبات الدبس والراشي وشوربة الخضار. ومن الوجبات التي ما زالت تعدها العراقيات في المنازل تشريب البامية، التي يتم طبخها باللحم والضلوع وعصير الطماطم، ويثرد الخبز في الأواني وتسكب عليه البامية، ثم تقدم للأكل مع البصل اليابس، والبعض يفضلها مع الرز، ويفضل أغلب العراقيين أكلها في اليوم الثاني من طبخها.

العراقيون أيضا لم يتخلوا عن الدولمة بمذاقها اللذيذ، والتي يختلفون في إعدادها عن باقي الدول العربية والتركية، فالبغداديون يعدونها من اللحم المفروم والفلفل الأسود والكرفس أو المعدنوس ومعجون الطماطم والأرز والثوم والحامض وشراب الرمان، حيث يحشى ورق العنب أو السلق والفلفل الأخضر والباذنجان وقشور البصل والطماطم.

تقول أم حسنين “الدولمة تجمع كل أنواع الخضار في قدر واحد، إضافة إلى اللحم والبهارات”. أما طريقة تحضيرها كما تقول أم حسنين، فتتمثل في أن “نفرم اللحم الذي نختاره مخلوطا بالدهن أو نشتريه مفروما، ونضيف إليه البصل المفروم مع بضع حبات من الطماطم والقليل من الثوم والكرفس وكمية من معجون الطماطم وعصير النومي الحامض والتوابل، وتوضع كل هذه المواد مع كمية مناسبة لها من الأرز وتخلط جيدا”.

وتضيف قائلة، “نقعر الكوسة والباذنجان والبصل وأوراق العنب والسلق، وتتم بعدها عملية الحشو لهذه المواد داخل الخضار المفتوحة، وترص في داخل القدر وتوضع عليها كمية من الماء، ويوضع القدر على النار إلى أن تنضج بعد أن يجف الماء من القدر”.

وتعتبر المدكوكة من أشهر الوجبات الشتوية التي اعتاد الأهالي على إعدادها لبساطة مكوناتها التي تتمثل في التمر والسمسم، لكن تحضيرها يتطلب جهدا في ذلك الوقت إذ كانت تتطلب الجاون وهو أداة خشبية تشبه الهاون الذي تدقّ فيه الحبوب، أما الآن فصارت النساء تحضرها في ماكينة فرم اللحم الكهربائية. وما زال العراقيون يفضلون هذه الوجبات التراثية ويقبلون عليها في فصل الشتاء، لقيمتها الغذائية رغم أنهم أصبحوا يذهبون إلى المطاعم لتناولها، فربات البيوت لم يعد لهن الوقت الكافي لإعدادها وخاصة النساء اللاتي يشتغلن خارج المنزل.

20