العراقيون يواجهون التشدد بتعلم الموسيقى والرقص

شهدت مدرسة الموسيقى والباليه العريقة في العاصمة العراقية بغداد، منذ ستينات القرن الماضي، تخرج أجيال من العازفين للآلات الموسيقية الشرقية والغربية وأكثر من جيل لراقصي الباليه، حيث كانت المدرسة نموذجا لصقل المواهب الفنية، لكن بعد تدهور وضع البلاد الأمني مع ضغوط الأحزاب الدينية والطائفية، أصبحت الأسر تخشى ارسال أبنائها لتعلم الموسيقى والرقص.
الاثنين 2016/12/19
الاستثمار في الفن يعطي الأمل

بغداد – على امتداد 47 عاما لا تزال مدرسة الموسيقى والباليه في العراق تستقطب الأطفال الموهوبين، متحدية بذلك جميع الظروف التي تعيشها البلاد في ظل حالة الحرب وعدم الاستقرار الأمني وتهديد بعض الأطراف المتشددة التي ترفض شتى أنواع الفنون والترفيه.

ويقف فتيان وفتيات يوميا بزي الرقص عند شريط التدريب أمام المرآة التي تحتل جدارا كاملا، فيما تعزف الفرق الموسيقية ألحانها في الغرفة المجاورة، مع طلاب يقومون بتعديل آلاتهم الموسيقية من التشيلو والعود والكمان والقانون وغيرها.

ورغم الصعوبات التي تعاني منها المدرسة كنقص قاعات التدريب والتجهيزات والملابس والإكسسوارات ونقص في أعداد الأساتذة يحرص أولياء الأمور على تسجيل أبنائهم في المدرسة لتعلم العزف والرقص.

كما تخشى الأسر العراقية اليوم تجاهل الحكومة العراقية دور الثقافة والفنون في حياة أطفالها في ظل الاضطرابات التي تعيشها البلاد ورفض بعض الأحزاب الدينية والطائفية هذا النوع من النشاطات والدروس.

وتعد مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد المؤسسة التعليمية الوحيدة التي تمنح شهادة تخرج أكاديمية وأخرى فنية للطالب، إضافة إلى تفردها بالدراسة المختلطة بين الجنسين حتى المراحل الإعدادية.

وانطلقت المدرسة كأول مؤسسة متخصصة بالموسيقى وتدريس فن رقص الباليه والتراث الشعبي في العراق في عام 1969 لترفد المسيرة الفنية في العراق بالعشرات من العازفين المتمرسين على الآلات الموسيقية الشرقية منها والغربية.

وتقدم المدرسة قسما ثانيا لتعلم فن رقص الباليه الذي يعتمد أحدث الأساليب أثناء تدريب الطلاب والاستعانة بخبرات أجنبية غالبيتها كانت من روسيا، لكنها استقرت اليوم على الخبرات المحلية المتخصصة في هذه الفنون الراقية، إضافة إلى دراسة المـناهـج المعتمـدة من قبل وزارة التـربيـة. وأطرت الحكومية العراقية نشاط هذه المدرسة عام 1985 بقانون ينظم عملها أطلق عليه اسم “نظام مدرسة الموسيقى والباليه” الذي حدد طبيعة نشاط المدرسة، وأهدافها، وأقسامها الفنية الموزعة بين دراسة الموسيقى العراقية والغربية والأجنبية والباليه والرقص التراثي والشعبي، والعمل على تدريس الموسيقى وفق أسس علمية لإعداد فنانين موهوبين.

وقال أحمد سليم غني، مدير مدرسة الموسيقى والباليه التابعة لوزارة الثقافة العراقية، إن “مدرسة الموسيقى والباليه هي من أهم المدارس المتخصصة والوحيدة في العراق المعنية بتعليم فن الموسيقى بأنواعها الغربية والعربية والعراقية، وفن الباليه على الرغم من الصعوبات التي تعترض مسيرة عملها خلال المرحلة الحالية”.

وأضاف غني، وهو مسؤول اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى، وعضو في الفرقة السيمفونية العراقية أن “المدرسة اليوم بحاجة إلى إطار إضافي متخصص بالموسيقى والباليه لمواكبة المستجدات الحاصلة في هذا النوع من الفنون، واستيعاب الإقبال الشديد من الطلبة للانتساب إلى المدرسة بعد أن عانت من النقص في أعداد الطلبة بعد احتلال القوات الأميركية للعراق عام 2003”.

وأوضح “لقد مرت المدرسة بعد عام 2003 بظروف صعبة جراء تردي الوضع الأمني، لكنها اليوم في وضع أفضل حيث بلغ عدد الطلاب في مراحلها الدراسية المختلفة 580 طالبا وطالبة”.

وتميزت المدرسة عن نظيراتها في البلاد العربية من حيث الشهادة التي تمنحها للطلبة المتخرجين، إذ يمنح الطالب المتخرج شهادتينّ؛ الأولى تربوية من وزارة التربية عن تلقيه الدروس التربوية والعلمية كباقي المدارس الاعتيادية في العراق بعد تخرجه من المرحلة الثانوية، والثانية شهادة الدبلوم الفني أي ما يعادل سنتين بعد مرحلة الدراسة الإعدادية من دائرة الفنون الموسيقية في وزارة الثقافة عن تلقيه دروسا في الموسيقى والباليه المرادفة للدراسة التربوية.

ويقتصر التقديم إلى المدرسة على طلبة بغداد ويخضع المتقدم للدراسة لاختبارات من قبل لجنة متخصصة في الموسيقى الشرقية والغربية وفن الباليه، ووفق الأنظمة المتبعة عالميا ليتم اختياره وقبوله حسب موهبته ومدى تقبله وإحساسه الفني.

ورغم الظروف الصعبة التي تعرض لها العراق بعد الاطاحة بصدام حسين والفوضى الأمنية التي عمت البلاد على خلفية قيادة الجماعات الدينية المتطرفة عمليات القتل والعنف، واصلت المدرسة عملها بنسبة أقل مما هي عليه اليوم.

وفقدت المدرسة العشرات من الأجهزة والآلات الموسيقية جراء الأعمال التي رافقت مرحلة الإطاحة بصدام حسين، وتمت سرقة أثاث ومقتنيات المدرسة من الآلات الموسيقية، لكن هذا لم يمنع المدرسة من استئناف عملها استجابة لرغبة الطلبة الذين واصلوا الانتظام بالمراحل الدراسية.

وتحرص شخصيات سياسية وثقافية وأدبية وأكاديمية وسفراء أجانب على حضور احتفالات ومهرجانات ونشاطات المدرسة السنوية، والاستمتاع ومشاهدة فن راق يقدمه أطفال العراق، مستمد من التراث والفلكلور الشعبي والموروث الفني العالمي في مجال الموسيقى ورقص الباليه.

24