العراقي رائد محسن: المسرح ثقافة جماهيرية تبدأ من سن الطفولة

الظروف التي شهدها العراق غيرت ملامح ثقافة الطفل، وساهمت في تراجعها من الريادة على المستوى العربي إلى الانحسار.
الخميس 2021/07/29
فنان يؤمن بدور المسرح في التغيير

بغداد – إن محدودية تجارب الكتابة للطفل عربيا وعجزها عن تأسيس قيم أدبية جمالية وفكرية يرتبطان بجملة من الأسباب الموضوعية لعل أهمها غياب الاهتمام الجدي بهذه الثقافة نظرا لافتقاد العمل الثقافي ومؤسساته المسؤولة لرؤية متكاملة للعمل الثقافي الجاد.

ونفس الظروف يعاني منها مسرح الطفل الذي يعتبر في مرتبة ثانية مقارنة بالمسرح الموجّه للكبار، حيث لا تقدم فيه نصوص جيدة ذات قيمة فنية وثقافية وتربوية مبتكرة، وإنما هو في غالبه تكرار لما سبق واجترار لنصوص عالمية أو نصوص ناجحة سابقا رغم أهمية هذا الفن العريق.

وفي العراق، الذي كان رائدا في ما يتعلق بثقافة الطفل، يواجه المسرح الموجه للأطفال تراجعا كبيرا يبرّره كل من ناحيته إما بقلة الدعم أو الحالة الاجتماعية الصعبة أو واقع الصراعات في البلاد وحتى تخلي المسرحيين عن الطفل كمتلقٍ لصالح قضايا يرونها أكثر جدارة وأهمية.

ورغم أن ثقافة الطفل في العراق عرفت تطورا كبيرا منذ أواسط القرن الماضي، لكن الظروف التي شهدتها البلاد والصراعات التي غيرت ملامحها ساهمت في تراجع ثقافة الطفل من الريادة على المستوى العربي إلى الانحسار، وهو ما شهده أدب الطفل ومسرحه والأغاني الموجهة إليه والإصدارات والفعاليات التي تعتني به.

المسرح الجاد يمثل حوارا مفتوحا بين الفنان والجمهور، فالمسرح الحقيقي غيّر واقع العديد من بلدان العالم

وفي هذا الإطار يلفت الفنان العراقي رائد محسن خلال مقابلة مقتضبة معه إلى أن “مسرح الطفل مهمل في العراق؛ لأن وزارة التربية لا تتعاون بشكل حقيقي مع من ينتج مسرحيات للأطفال”.

ومن ناحية أخرى يشير محسن إلى أن “مسرح الطفل يحظى بالاهتمام والنشاط في الأردن، وأنه ألّف هناك أكثر من نص وكتب العديد من أغاني الأطفال، بالإضافة إلى عمله في مجال الإخراج والتمثيل”.

ويقول إنه “يعمل في الوقت الحاضر على إخراج مسرحية بعنوان ‘صانع الأحلام’ وهي من تأليف فلاح شاكر، الذي عاد للتو من أميركا، وتمثيل الفنان هيثم عبدالرزاق وآلاء حسين”.

ويبيّن الفنان محسن أن “فكرة المسرحية تتحدث عن فساد الأرواح، وما يفعله هذا الفساد بالمجتمعات، لأن الروح هي أهم ما يميز الإنسان، وهي الضمير الذي يقود إلى الخير، وإذا فسدت تقود إلى الشرّ وتفسد كينونة الإنسان”.

المسرح العراقي تضرر من الفوضى السياسية والاضطراب الأمني والاجتماعي
المسرح العراقي تضرر من الفوضى السياسية والاضطراب الأمني والاجتماعي

والحركة المسرحية في العالم المسرح العراقي تضرر من الفوضى السياسية والاضطراب الأمني والاجتماعيتواجه اليوم تحديات جمّة ناتجة عن التقلبات السياسية والأمنية والاختلالات الاقتصادية، والمخاضات الاجتماعية وتداعياتها المعطلة لتقدم الحياة الثقافية والفنية، إذ يتميّز النشاط المسرحي بحساسيته الشديدة للتوترات الاجتماعية، وهو ما يتجلّى في واقع المسرح العراقي أيضا الذي تضرر بالفوضى السياسية والاضطراب الاجتماعي، ما أعاق تطوّر الحس الثقافي والذائقة الفنية للمجتمع، لتأتي جائحة فايروس كوفيد – 19 وتضيف تحديات جديدة أمام الفنانين المسرحيين العراقيين.

ورغم الواقع الثقافي العراقي الصعب في الداخل فإن الكثير من المسرحيين يسعون لاستعادة الحراك المسرحي عبر أعمال جريئة تحاول تفكيك الواقع ونقده، إيمانا منهم بأهمية المسرح الثقافية.

ويقول محسن “المسرح يصنع ثقافة جماهيرية وذائقة حسية، وهو ينشر الفرح والجمال ويرسم الابتسامة في الشفاه”.

ويمكن للمسرح أن يؤدي أيضا علاوة على دوره الثقافي والجمالي دورا في تعزيز قيم التسامح في المجتمعات التي تعاني من النزاعات الأهلية، وفي إطار يجمع بين الاحتراف والجمالية دون الانزلاق إلى الأدلجة أو قولبة وعي المتلقي، وتذكر في هذا السياق تجربة “المسرح التفاعلي” ذات النزعة التوجيهية التي تتمظهر عبر إشراك المتلقي في العرض المسرحي بحيث يتفاعل معه ويندمج فيه.

ويوضح محسن أن حديثه وعمله الفني ينصبان على المسرح الجاد “الذي يتعلق بالقضية العراقية، وبهموم الناس ويطرح مشاكلهم بموضوعية”.

ويؤكد في إبراز لأهمية التفاعل على أن “المسرح الجاد يمثل حوارا مفتوحا بين الفنان والجمهور، وأن المسرح الحقيقي غيّر واقع العديد من بلدان العالم، لأنه يمنح مساحة واسعة للتفكير والتأمل”.

ويضيف “أنا شخصيا أعشق المسرح الجاد الذي له علاقة بالثقافة والجمال والإبداع، إضافة إلى اهتمامي بمسرح الطفل”، منوّها بأنه “عمل أربع مسرحيات للطفل، كان في جميع هذه المسرحيات ممثلا ومخرجا ومؤلفا، كما عمل في الأردن ولمدة عام في مسرح الطفل”.

الحركة المسرحية في العالم العربي تواجه اليوم تحديات جمّة ناتجة عن التقلبات السياسية والأمنية والاختلالات الاقتصادية، والمخاضات الاجتماعية وتداعياتها المعطلة لتقدم الحياة الثقافية والفنية

ويعد رائد محسن أحد أبرز وجوه المسرح العراقي، وقد وضع بصمته في المسرح منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي عندما قدم أول أعماله المسرحية مع خيرة الممثلين العراقيين آنذاك، ولم ينقطع عطاؤه حتى اللحظة كممثل ودراماتورج محترف، وهو الذي آمن بالمسرح المتجدد وبمسرح الطفل بشكل خاص.

وتكمن ميزة الفنان رائد محسن في إيمانه بالأجيال المسرحية، من الذين يثقون بقدرة المسرح العراقي على التجدد دائما، ولذلك فقد كرس أعماله للأطفال بنفس الاهتمام لأعماله للكبار.

ويذكر أن الفنان رائد محسن يعد من الأعضاء المهمين في الفرقة الوطنية للتمثيل في العراق، كما شغل مناصب عدة مهمّة منها رئاسة الشعبة المسرحية في نقابة الفنانين، ومنصب مدير المسارح في دائرة السينما والمسرح في العام 2011، وعضو لجنة صندوق دعم الدراما، إضافة إلى رئاسة اللجنة الفنية في دائرة السينما والمسرح وعضو لجنة قراءة النصوص.

15