العراقي شاكر نوري: جماليات وجودية في روايتي "جحيم الراهب"

الأربعاء 2014/09/03
شاكر نوري الرواية عنده عمل يومي مثابر لا ينقطع أبدا

شاكر نوري كاتب ومترجم وروائي عراقي، تنوعت تجربته في ثراء لافت، فألف دراسات نذكر منها “المقاومة في الأدب”، و”لا تطلق النار إنها قلعة أور”، كما تميز بترجماته العديدة مثل “محاكمة برودسكي” للكاتبة فريدا فيغدورفا وإيفيم ايتكند، وترجمته لـ”موعظة عن سقوط روما” رواية لـ”جيروم فيراري”، لكن تبقى الأبرز في مسيرته كاتبا، كتابته للقصة والرواية اللتين امتاز فيهما بجدة مواضيعه وأسلوبه، ونذكر من مجموعاته القصصية “جنائن دجلة”، ومن رواياته “كلاب جلجامش” و”شامان”.

رواية “جحيم الراهب” لشاكر نوري تغوص في عالم راهب، في زمن أصبح المكوّن المسيحي في العراق مهدداً، راهب يؤكد لنا أنه لم يختر أن يصبح كذلك، ولا أن يعيش في الجحيم، لم يختر اللباس الكهنوتي، الذي لم يصنع منه راهباً بل صنع منه إنساناً، فالشخصية المحورية في الرواية، الأب إسحاق، لم يتنكر بجبة راهب من أجل خداع أحد، ولم ينخرط في دين جديد لكي يؤذي الآخرين من بني البشر، مثلما لم يلجأ إلى هذا العالم من أجل الاهتمام بشؤون الآخرة يوماً ما. بل هو هكذا هو من دون حسابات، وجد نفسه مختبئاً تحت ثياب الله.


شخصية الراهب


عن بطل روايته ولجوئه إلى دير الأيقونات من أجل الحصول على الأوراق الثبوتية، التي انتظرها سبع سنوات وحصل عليها من الفاتيكان، يلفت الكاتب إلى أنه في بادئ الأمر، كان الأب إسحاق، الذي كان مسلماً، وانخرط في سلك الرهبنة، يبحث عن أي شيء يثبت هويته، لكنه فيما بعد انخرط فعلاً في هذا العالم، وانغمس في قراءة كل ما هو متوفر في مكتبة الدير الكبيرة، حتى أتقن لغات عديدة، وتعلم أصول الرهبنة، وصار أحد مشاهير الدير، ولقي حظوة كبيرة عند الأب جوزيف، رئيس الدير. وقد غرق في الاستقراء والتأمل والعبادة في غرفته، وراح يراقب الآباء الآشوريين، وهم يقيمون طقوسهم في أروقة الدير وفي كنيسته.

قصة حياة كل من الرجلين امتزجا ببعضهما البعض حتى صارا كتوأمين لا ينفصلان

في الرواية تختلط الأزمنة مع الأحداث، والماضي بالحاضر. وكذلك اختلاط الاثنين بالرسالة الطويلة التي يكتبها الأب إسحاق إلى الأب جوزيف، لكي يشرح له تردداته وحيرته ومحاولة انسحابه من هذا العام، يعني أنه كان يتأرجح بين الإيمان والشك، ولا يستطيع تقرير مصيره أبداً.

قصة حياة كل من الرجلين امتزجتا ببعضهما البعض، حتى صارا كتوأمين وقرينين لا ينفصلان، وهذا ما يقره نوري، حيث يعتبر أن هناك علاقة خاصة بين الأب إسحاق والأب جوزيف، لأن كليهما ينطويان على مبدأي الإيمان والشك، وكانا يريان وجهيهما في مرآة واحدة، لكن الأب جوزيف كان الأب الروحي له، وهو الذي وافق على قبوله في الدير حين لم يكن أحد يقبله أو يستقبله.

كما أنهما يشتركان في الهواية الفنية، الأب إسحاق رسام، والأب جوزيف موسيقي، لكن التعبّد أجبرهما على ترك هوايتيهما، والانخراط في تربية الرهبان الجدد القادمين إلى الدير. إنها الصداقة الحقيقية بين رجلين، يبحثان عن شيء مجهول لا يعرفان كنهه، هو موجود في السديم الكوني، في الرؤية الروحية لكل منهما.


المسيحية الآشورية

رواية عن الذين يعيشون معنا ولا نعرف عنهم شيئا


يؤكد الكاتب أن المسيحية الآشورية تختلف عن المسيحية عامة، فعلى سبيل المثال، كان الفاتيكان يبعث برسله إلى المناطق التي يسكنها المسيحيون، ويعمل على إغرائهم من أجل تغيير مذهبهم. لذلك نرى الأب جوزيف يقول: إننا لسنا مسؤولين عن جرائم محاكم التفتيش. كما أن مناقشة الأب إسحاق مع الأب إيمانويل الفرنسي الذي جاء لزيارة دير الأيقونات، دليل على اختلاف المسيحية الآشورية التي تعتبر من أقدم الأصول المسيحية في المشرق. كما أن ثمة اختلاطا بين المسيحية الآشورية وبين الآلهة الآشورية، مثل: أونو، ليل، وأنكي، ونرجال، وسن وعشتار وآشور وغيرهم.

لذلك تمت محاكمة الأب جوزيف من قبل قداسة البابا في الفاتيكان، لأنه خرق أصول المسيحية الكاثوليكية من خلال حث الرهبان والراهبات على الزواج والعمل والعيش، أي التخلص من ثالوث: العزلة والبتولية والفقر.


الجمالية واللغة


عن المسافة الجمالية التي قطعتها “جحيم الراهب” وأعماله الروائية الأخرى، يلفت الكاتب إلى أن الرواية عمل يومي مثابر لا ينقطع أبداً، ويؤكد أنه يواصل كتابة الرواية كل يوم، وما أن ينتهي من رواية حتى يبدأ بأخرى، فهو لا يستطيع أن يفترق عنها. ويعتبر نوري أن الأسئلة الوجودية في الرواية تتقدم على الأسئلة الساذجة، وهذا من شأنه أن يضيف بعداً جمالياً آخر إلى العمل الأدبي. ففي رأيه هناك مسافة جمالية كبيرة في “جحيم الراهب” وخصوصاً في ما يتعلق بالسؤال عن الذات والموضوع.

يؤكد الروائي أن الجماليات تتجسد في طرح الموضوع وطريقة اختياره، وهذا ما يفرز جماليات مختلفة، وما دامت هذه الرواية تدور في فلك الخيال والتأمل والفصل بين الحياة الكهنوتية والحياة المدنية، فإنها تجترح موضوعات متأصلة. ولعل أكبر جمالياتها أنها مرتبطة بحياة الناس الذين يعيشون معنا، ولا نعرف عنهم شيئاً.

يعتقد الكاتب أنه لا إبداع في الرواية دون إبداع في اللغة، كما يقول الروائي الفرنسي فرناندو سيلين. بالنسبة إليه، اللغة الروائية هي التي تفجّر طاقات التفكير عند القارئ قبل كل شيء. وإلا فإن اللغة المسطحة، التي لا ترتبط بالذهن ولا بنبض الحياة، هي لغة ميتة، يجب على الرواية أن تخترع لغتها.

الواقع العراقي يتقدم على الروائيين العراقيين، مثل حصان يجر عربة

مسألة اللغة، هي جوهر كل إبداع في الأدب، لأن اللغة السائدة هي اللغة التي تبث الكسل الذهني، وخاصة في ما يتعلق بالكلمات والعبارات الجاهزة، وما أكثرها في اللغة العربية. إن كسر اللغة نقطة البداية لانطلاق رواية جديدة كما جاء بها الكاتب الفرنسي آلن روب غرييه.

ويعتبر شاكر نوري أن العراق لا يمتلك كماً هائلاً من الروايات حتى يتشكل له النوع. فما يزال الواقع العراقي، في رأيه، يتقدم على الروائيين العراقيين، مثل حصان يجرّ عربة.

والواقع العراقي هو واقع كوني بحاجة إلى آلاف الروايات. لكن لم يولد، في اعتقاده، عمل مثل “السلم والحرب” لتولستوي عن الحرب، رغم حروبه الكثيرة والمأساوية. رغم أن الرواية العراقية قطعت شوطاً لا بأس به، ولكن لوقارناها بالرواية العربية لوجدناها متأخرة، وخاصة في ما يتعلق باللغة والخيال الروائي.
14