العراقي قحطان الأمين ينزاح إلى الجمالي انطلاقا من الذاكرة

الخميس 2015/04/16
صورة انزياحية تنقل العمل من سماته التقليدية إلى أن يصير عملا فنيا

يطرح معرض “ذاكرة وحنين” للرسم الذي أقامته دار الأندى بالعاصمة الأردنية عمّان للرسام العراقي المغترب قحطان الأمين، إشكاليات مهمة على النقد العراقي هي: هل يمكن القول بدوام صلاحية الفكرة القائلة بأن الأدوات ليست إلاّ توسيعا لقدرة اليد البشرية على إنجاز الأعمال؟ وهل أن برامج التصوير والرسم الفوتوغرافي تلك التي نصطلح عليها جملة بـ”الفوتوشوب” تدخل ضمن ما يعرف بالأدوات؟

يستدعي معرض “ذاكرة وحنين” للعراقي قحطان الأمين تساؤلات مفادها، متى يصنف منتج ما على أنه عمل فني؟ وهل أن نية المنتج هي الأمر الحاسم هنا؟ بمعنى هل أن رغبة دوشامب في اعتبار “مبولته” عملا فنيا، أو رغبة بيكاسو في اعتبار “مقود الدراجة وسرجها” عملا فنيا، جعلهما من الأعمال الفنية؟

لقد قدم الرسام العراقي المغترب قحطان الأمين نمطين من الأعمال في معرضه الأخير بدار الأندى الأردنية، أعمال جمّع أجزاءها صورا قام بتلصيقها بمساعدة البرامج الإلكترونية، لينتج عملا يتصف بامّحاء الغربة والتنافر الشكلي بين أجزائه، لتتحقق فيه درجة من وحدة الإنجاز الشكلية.

وهو ما كان يفعله الرسام ماكس أرنست في إعادة إنتاج محفورات القرن التاسع عشر التي كان يجمّعها، ويلصقها، ويمحو الانقطاعات بينها، لتغدو عملا واحدا يتصف بالغرائبية الشديدة، لأنه قائم على تجميع أجزاء متناقضة أو لا علاقة سببية بينها لتتجاور.

وهو ما كان يفعله بالرسم أيضا سلفادور دالي، فيكون سبب تلاؤم أجزائها ناتجا عن التشاكل الصوري الناشئ من جمع أجزاء غريبة عن بعضها، ليؤلف منها صورة انزياحية تنقل العمل من سماته التقليدية إلى أن يصير عملا فنيا “مكس ميديا” بفضل هذا الانزياح، أو أن يقوم بتقديم عمل فني ينتج أجزاء منه ببرامج “الفوتوشوب” لينجز بقية الاشتغال بالطريقة اليدوية التقليدية.

وبذلك نكون قد حددنا السبب الأول الذي يجعل اليومي والمطروح جماليا، وهو تحقيق الانزياح الذي يشكل برأينا القانون الأساس الذي يتحقق بطرق منها: المادة الاستثنائية، والتقنية العالية، والتكوين الاستثنائي، وهو ما كان يفعله رسامو الفن المفاهيمي عبر استثنائية المادة واستثنائية التكوين.

فحينما قدم هاشم تايه مثلا تكويناته في معرض فينيسيا، فإنما كان يعتمد في ذلك على غرابة المادة الرديئة والمهملة، ليضعها في غرابة تكوين تكفل لها انزياحا يجعلها تنتمي إلى أعمال الفن.

يستخدم قحطان الأمين ما يقع تحت يديه من الصور القديمة وأحلام الطفولة فعالمه عالم مائي بحري، تطفو عليه أشكال من أسماك، وحيتان، ومرجان، وفقاعات، ومد وجزر، هذه الأحلام كانت قد بدأت منذ طفولته، حيث تشكلت من القصص والأفلام الوثائقية عن عوالم البحار والمحيطات وأسرارها.

قحطان الأمين يستخدم ما يقع تحت يديه من الصور القديمة وأحلام الطفولة فعالمه عالم مائي بحري، تطفو عليه أشكال من أسماك وحيتان ومرجان وفقاعات

ويقوم بتلصيقها بالبرنامج الإلكتروني، ليجعل منها عملا صلدا متماسكا لا تنافر شكليا بين مكوناته، ثم يمارس اشتغالاته التقنية والتكوينية عليه، وهو أمر كفيل بانتقال العمل من مكوناته الأولية إلى واقع آخر مختلف تماما عن ذلك.

كل ذلك يتأتى عبر المزج بين التصوير الفوتوغرافي وتقنيات الكرافيك “الديجتل”، في محاولة لتأسيس رؤية فنية بصرية تنشد الاستفادة مما تحمله ذاكرة الرسام من خزين بصري يشكل متحفه البصري، المتمثل بصور بعضها واضح، وبعضها مندثر تحت ركام الزمن. وقد أراد بذلك تحويل ذكرياته التي تمتد من أرض العراق والمهجر، وهي مزيج بين المفرح والمحزن لما مرّ به العراق، ذكريات تغطي سنوات الطفولة والشباب والتي ما انفك الحنين إليها يطارده وهو بعيد عنها.

وبين تلك الصفحات والصور يجد نفسه متمسكا بنوع من الأمل الذي يحاول بثه عبر تلك الصفحات من أعماله الفنية، التي يستلهم فيها الكثير من الموروث العراقي البصري وبوسائل فنية معاصرة وحديثة، ليجعلها تنسجم مع أحدث المعطيات الجديدة للفن الحديث.

إن هوس قحطان الأمين، كما يؤكد الرسام العراقي كريم رسن، لاصطياد اللحظات الهاربة بمساعدة هاتفه النقال، دفعه إلى تجميع كمّ من صور المارة العابرين، ومقاطع من شوارع وإشارات المرور، والإعلانات أو بقايا منها، وغير ذلك الكثير مما يشغل اهتماماته اليومية المتعلقة بمشاريعه الفنية التي يعمل عليها.

ليعود إلى مشغله بعد هذا المشوار أو ذاك، فيبدأ باستحضار التقنيات التي تدرب عليها في وقت سابق كمصمم كرافيكي ومصور ورسام في آن واحد. كما يستحضر القانون الذي تنبني وفقه الصورة والذي ينبع من خصائص الصورة ذاتها، وهو ما يتحكم بالمهارات والاستحضارات التي تمارس عليها.

ويستعيد التشكيلي كريم رسن قضية الأثر التي تشبع بها رسامو الثمانينات العراقيون بتأثير أستاذهم شاكر حسن آل سعيد، فيصف قحطان الأمين بأنه باحث مجتهد في مجال الصورة كأثر إنساني، حينما يستعيرها من الأرشيف كوثيقة لتشير إلى زمن ما، أو توثق حدثا خطيرا كالحروب، والكوارث التي مرت ومازالت تمرّ بالعراق اليوم.

16