العراقي كريم إبراهيم في الصورة الجامدة للحركة واللقطة المتحركة للمنظر

الأحد 2014/11/23
كريم إبراهيم: أحاول أن أظهر التصالح في العالم من خلال صوري

بروكسل- يعتقد كريم إبراهيم المصور الفوتوغرافي البلجيكي من أصل عراقي أن الصورة ضرورة حقيقية لإكمال المشهد في هذا العالم، فالحركة في الصورة لا تمتزج بالمكان الذي اجتازَتهُ، فالمكان هو الماضي والحركة هي الحاضر، إنها فعل الاجتياز. المكان عنده قابلٌ للقسمة على الجميع، مهما كان التخالف، بينما الحركة متفرّدة لا تقبل القسمة فهي حالة ذاتية محصورة بصاحبها، الأمكنة التي يختارها المصور ذات طابع متشابه عندما تتعلّق بالبيئة الطبيعية التي يؤثّر فيها الإنسان، بينما الحركات التي يقوم بها الإنسان غير متجانسة أو ثابتة، إنها متحوّلة باتجاه الحدث الذي يفرض نفسه مهما كان ساكناً. ويعتقد كريم أن الصورة التي يحاول أن يقدّمها تعتمد على طرفين الأول هو اللحظة الساكنة الثابتة للصورة، والثاني هو الزمن المجرّد من أي اعتبارات أو ظروف أو واقع، إلا ذلك الذي يحاول أن يفرض نفسه بقوة تدعو إلى الحوار دون الاعتماد على حركة كاذبة أو مصطنعة لا تشبه المشهد الثابت أو اللحظي في الصورة.

الأفكار الآنفة عن الصورة صرح بها الفنان لـ”العرب” خلال حوار معه على هامش المعرض الذي افتتح مؤخرا في العاصمة البلجيكية بروكسل وضم المعرض أكثر من ثلاثين صورة تدور في فلك فضاءات الحوار في العالم لتتنوّع العوالم التي تنقلها الصور بين دول متعددة في العالم، مُعبّرةَ عن تلك الفضاءات التي يتحرك فيها الناس بمختلف ثقافاتهم.

يقول إبراهيم إنه لجأ إلى إظهار ثقافة الحوار في هذا العالم باعتبارها الطريقة الأمثل لبناء عالم متصالح بين الجميع مهما كانت التناقضات كبيرة بين البشر. تختلف في موضوعاتها الصور المعروضة بين الشرق والغرب، وكلّها تبيّن كيف تكون طرق الحوار في هذا العالم الذي فقد قيمة الحوار وطرقه فغدا القتل والاعتداء هو الثيمة الأساسية التي تمّيز علاقات المتخالفين.

الصورة الجامدة للحركة اللقطة المتحركة للمنظر


محاكاة الحلم


اللحظة التي تشدّ كريم أكثر من غيرها خلال مطاردته الصورة هي تلك التي تكون أكثر تلاحماً مع الواقع مهما كانت طوباوية أو مؤلمة، فتراه يسعى عبر عدسته لالتقاط كل ما هو مثير وغريب ويشبه الإنسان النقي المتصالح مع عالمه، بغض النظر عن مواقفه من قضاياه المصيرية. يؤكد المصور أنه يلتقط من الواقع صورة آنية ثابتة يمكن تعميمها واستمرارها لما تحمله من خصائص تمثّل التقاطع الإيجابي بين الانسان والبيئة، فهي سيمفونية تشبه ما يُعرف بالهارموني بين مختلف الأطياف، فالصورة كما يقول هي إعادة إنتاج وَهْمٍ ثابت وعام ليغدو متغيّراً بحسب المُشاهد الذي يراه أو يستقبله، فأهمية دور المتلقي عند كريم تتحدد خلال تلك اللحظات التي تتيح له أن يتّحد مع الصورة التي أمامه مهما اختلف في طريقة تعبيره عن اللحظة.

في رحلاته المتعددة إلى الشرق، بين مصر خلال ثورة 25 يناير عام 2011 وبعدها، وإلى العراق منذ عدة أشهر، استطاع كريم إبراهيم إعادة رؤية الشرق في مخيّلته وهذا ما دعاه إلى تسليط الضوء أكثر على تلك اللحظات الهاربة من الواقع الذي لا يشبه ما يتمناه المصور. يقول كريم إن الشرق بكل تعقيداته يمر بظروف استثنائية أو بالأحرى إن الظروف الاستثنائية قائمة فيه، فهو لا يشبه نفسه أبداً، ولذلك أعمد إلى التقاط الهادئ الغريب في زمن الصخب والموت. يشير كريم إلى صورة التقطها في أهوار العراق لقاربين من الصيد يحملان صيادين، بعضهم انشغل بالتقاط السمك من المياه وبعضهم يراقب ما حدث وسط هدوء في السماء والموج، ويتمنى أن يكون هذا التصالح هو العنوان العريض للشرق، التصالح الذي يصنع حوار الكائن مع نفسه وحواره مع عالمه.


الواقع والخيال


إن إعادة إنتاج اللحظة هي اتصال الواقعي باللاواقعي لإعادة تأليف الحركة، وهذا يأتي، كما يقول كريم، من خلال تسليمنا بأن اللحظة الواقعية هي امتداد لما هو غير واقعي، فالحركة في الصورة متصلة بما هو حسّي وعقلي، وصولاً إلى التمازح المطلق، لبناء الصورة الكاملة التي تقوم على مفهوم الحب الذي يشبه الإنسان، بفطرته الأولى، من خلال أفكار أو لحظات هي نفسها ثابتة وأزلية، تغدو آنية ومتحركة في العقل الباطن للمشاهد، فالحركة في الصور المعروضة هي عبارة عن انتقال من لحظة إلى أخرى أكثر كمالاً ونضجاً، وما على المتلقي إلا تخيّل العالم، فيما لو استمرت هذه الصور التي تدعو إلى فضاءات الحوار.

لقطة من تونس: عين تتابع حركة الناس

ميريام ديفريندت Mirjam Devriendt الأستاذة التي تابعت المصور منذ بداية مشواره، تقول إن كريم منذ بداياته وإلى اليوم يتمتع بالهدوء التام. فهو يملك عين فاحصة تلتقط كل شيء، وهذا ما يظهر في صوره التي تنتظر من المشاهد أن يسمع صمتها بتركيز عال. وبالرغم من اختلاف البلدان التي تم التقاط صور المعرض فيها، إلا أن هناك انسجاما واضحاً في ما بينها، وكأنك تشاهد فرقة موسيقية يقودها مايسترو واحد، هو الأكثر حرصاً على الانسجام بين الجميع، فالمصور كريم إبراهيم هو الأكثر حرصاً على بناء واقع أقرب إلى المثالية من خلال صوره المتنوعة التي تعتمد على البيئة الصامتة، المتحركة في العقل الباطن للمتلقي، وهذا ما يمكن أن تلاحظه في شخصية كريم، فهذا المعرض ما هو إلا استمرار لذلك الخط الذي انتهجه الفنان منذ احترافه فن التصوير.

كريم إبراهيم من مواليد مدينة العمارة العراقية وهو يحمل إجازة في العلوم السياسية من جامعة بغداد، اضطر إلى مغادرة العراق إبّان حكم نظام صدام حسين، ولجأ إلى بلجيكا منذ عام 1980 وأكمل دراسته العليا في التنمية السياسية، وانطلق منذ عام 2005 إلى دراسة التصوير الفوتوغرافي في أكاديمية الفنون الجميلة ببروكسل.

16