العراقي والساهر.. هل تورطا حقا في دلوعتي؟

إن مطالبة كرم تبدو مشروعة ببقاء كريم المبدع حقاً في تراكيبه المحكمة غنائياً من نوع السهل الممتنع وبأن يبقى في قمة مجده، بقصائد كثيرة.
الاثنين 2018/07/30
صاحب القصائد التي شكلت وجدان شعب عشق الأغنية العراقية

لعلي في هذا المقال في موضع لا أحسد عليه، بين صديقين عرفتهما منذ أكثر من ربع قرن، بين رفيق رحلتي المهنية كرم نعمة، وبين صديقي الشاعر كريم العراقي الذي يقف عند رصيد مئات القصائد التي شكلت وجدان شعب عشق الأغنية العراقية عبر أصوات غنائية رائعة في مقدمها الفنان كاظم الساهر بحصيلة مئة وخمس وثلاثين أغنية، وهو بذلك يضرب رقماً قياسيا لملازمة إبداعية بين شاعر ومطرب.

وكلاهما أعرفهما وكيف تأسسا ولي معهما حكايات مذ كنت محررا صغيرا في أواخر السبعينات من القرن الماضي في جريدة كبيرة في بغداد، كبرنا معاً تجربة وعمرا وهمّا ووعياً، ولعل هذا الذي دفع كرم نعمة إلى التصدي لقصيدة كريم العراقي “دلوعتي” التي غناها في آخر حفلة للساهر في السعودية، وأشعلت حماس الحاضرين، رغم بساطة موضوعها فهي حكاية بين محبين يرويان خلافا يكاد يكون يوميا لكن موضوعها وتراكيبها على ما يبدو لم يستسغهما الزميل كرم، حيث كتب في “العرب” مقالاً بعنوان “مفردات صماء في دلوعة العراقي والساهر”.

وراح يُجري عليها “تحليل محتوى” مجتزئا بعض مفرداتها (“ألقت عليه القبض” و”عصبيتي” و”طيوبتي”) التي وصفها بأنها “سقطة شعرية مريعة”. وبذلك أزعج كريم الذي اعتبر المقال مكرساً للنيل من إبداعه ومن حضور صاحبه الساهر، وفتح الباب على مصراعيه للشتامين والحاسدين والمتصيدين في الماء العكر، كما قال لي العراقي في أمسية خاصة جمعتني به في دبي.

قلت: يا للهول مالذي جعل كرم -وهو كاتب رصين- يصل إلى هذا الحماس في وصف أغنية لم يسمعها الجمهور العريض بعد؟

لأسمع “دلوعتي” مرات فلم أجد فيها سوى بوح ومشاعر بسيطة وعابرة يتداولها العشاق في حكايات كريم وإحساسه المرهف، عن محبين بمفردات متداولة شعبيا لتقريب المعنى، والمبالغة أحيانا لإضفاء جو المفاجأة، والترقب بين حبيبين، قدمها الساهر لجمهور أغلبه كان من النساء اللاتي ينتصف لهنّ كريم في كل قصائده المئة وخمسة وثلاثين التي غناها الساهر، ولكنها بمفردات جديدة تتواءم مع الجو العام هناك، ولم تصل إلى تورط الساهر ولحنه. وإذا كانت الفرقة الموسيقية لم تحسن التوزيع فلأن الأغنية جديدة ولم يتدرب عليها الموسيقيون كثيرا على ما يبدو.

إن مطالبة كرم تبدو مشروعة ببقاء كريم المبدع حقاً في تراكيبه المحكمة غنائياً من نوع السهل الممتنع وبأن يبقى في قمة مجده، بقصائد كثيرة لا سيما رائعته الملحمية مع الساهر المؤلفة من مئات القصائد في “ملحمة جلجامش” التي ظلت حبيسة منذ خمسة عشر عاماً.

العراقي برج الأغنية العراقية شعراً، فلا بد أن يُطالب بالأجود دوماً، مع مراعاة أن أغاني الساهر الجديدة تبدو صادمة للوهلة الأولى لكنها تتنامى فيما بعد في وجدان سامعيها ليتفاعلوا معها.

24