العراق: أين هي المؤامرة

الخميس 2014/06/19

يتدخل الغرب أو لا يتدخل؟ هذا هو السؤال، سؤال المرحلة التي يشكل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام نجمها الأبرز، وعلى أي حال فإنه من الواضح حتى اللحظة أن الغرب لا ينوي التدخل، إذ يقول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «راسموسن» إنه لا دور للحلف في هذا النزاع، ويتجه رئيس الولايات المتحدة «باراك أوبام» إلى إرسال مساعدات غير فتاكة «للحكومة العراقية» على غرار تلك التي يتعهد بمواصلة إرسالها دائما إلى قوات «المعارضة السورية المعتدلة»، ترى أين هي المؤامرة؟

بالعودة قليلاً إلى الوراء، إلى عام 2003 حيث تدخل تحالف غربي تقوده الولايات المتحدة وأسقط نظام صدام حسين، آنذاك كان ثمة غزو عسكري معلن، ومع ذلك لم تكفّ الأغلبية الساحقة من النخبة السياسية والثقافية العربية عن الحديث عن المؤامرة، وعن رفض التدخل الخارجي أيا كانت الذريعة والأسباب، مؤكدين أن لهذا التدخل أسبابا خفية وأهدافا بعيدة تتلخص في الرغبة في تدمير المشرق العربي وتقسيمه طائفيا، وأن هذا التدخل سينتقل إلى سوريا ثم غيرها لإسقاط المنطقة برمتها في قبضة الغرب.

لكن الحقيقة كانت واضحة، لم تكن ثمة مؤامرات خفية، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى بناء نظام سياسي صديق لها وللغرب في العراق، أو يصح القول إنه نظام سياسي تابع لها وللغرب، وهو في الحقيقة لا يمكن أن يكون إلا تابعا، إذ لا صداقة نديةً يمكن أن تجمع القوي بالضعيف، وسيان عندها أن يكون هذا الحكم مركزيا أو فدراليا، وطنيا أو طائفيا، فالمهم أن يكون خاضعا لإرادة الغرب، وهذا كان الهدف من الوصفة البائسة التي أنتجتها قيادة الاحتلال مع حلفائها العراقيين (وحلفاء إيران في الوقت نفسه)، والتي أفضت إلى دولة المالكي الطائفية التي تضعف اليوم.

الحقيقة أن الولايات المتحدة فشلت في بناء نظام سياسي صديق للغرب في العراق، فالجميع أعداؤها في النهاية، حتى حلفاؤها رجال إيران في العراق يناصبونها العداء في نهاية المطاف، هذا العداء الذي كان مصدر فخرِ كثيرين، وكأن العداء للولايات المتحدة هو مقياس الأخلاق في هذه البلاد البائسة، وكما كان هذا العداء مصدر فخر كثيرين فإن فشل السياسة الأميركية في العراق كان مدعاة بهجة كثيرين، كثيرين ممن يصرخون اليوم مطالبين الغرب بالتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عراق المالكي الطائفي.

يبدو إذن أن الحلف الذي أسسته إيران في المنطقة يواجه خطرا داهما في العراق، ويبدو أن قادته يرغبون في ضربات جوية غربية تنجيهم من هذا المأزق، لكن الأرجح أن الغرب لن يتدخل في هذه الحرب وسيترك هذا الحلف يواجه وحده “داعش” وغيرها من القوى المسلحة في العراق وسوريا، وكما لم تتدخل الولايات المتحدة لإنقاذ الثوار السوريين من بطش النظام السوري، يبدو أنها ستواصل سياسة التنحي جانبا والدعم “غير الفتاك”، هذه السياسة التي توصف اليوم بأنها مؤامرة على المشرق العربي لتفتيته طائفيا، كما تم وصف التدخل الغربي بالأوصاف نفسها قبل عشر سنوات.

ليست ثمة مؤامرات في المسألة، ثمة مصالح متداخلة ومتشعبة، وثمة قصر نظر وانتهازية لدى النخب السياسية العربية، أما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، فإنها تعمل في هذا السياق، كما كل الدول العظمى في التاريخ، على تأسيس أنظمة سياسية حليفة لها في كل مكان، وهي لهذا تدخلت في العراق لكنها فشلت نتيجة سياساتها الاستعمارية الرعناء ونزعة نخبها الاستشراقية، وهي ترفض التدخل اليوم للدوافع نفسها، الرغبة في إنهاك الجميع للوصول إلى إنتاج أنظمة سياسية لا تعادي الغرب.

الحقيقة أنه لا يفترض بالنخب العربية أن تنشغل بنوايا الغرب، فالغرب يساعد حلفاءه عندما يثق بهم فيخطئ هنا ويصيب هناك، والغرب يسعى إلى هدوء واستقرار في ظل دول لا تناصبه العداء وإلا فليذهب الجميع في هذه الدول إلى الجحيم، هذه هي سياسة الغرب المعلنة وهذه نتائجها على الأرض وليست في الأمر أسرارٌ خفية، وسواء تدخل الغرب عسكريا اليوم أو غدا أو لم يتدخل مطلقاً، فإن كل ما يجري هو نتاج أيدينا نحن في المقام الأول، ولن يغير تدخل الغرب أو عدم تدخله من مصائرنا كثيرا، فلنتذكر أن ثمة من يقول إن العراق دُمِّر جراء التدخل العسكري الغربي، وثمة من يقول إن سوريا دُمِّرت جراء عدم التدخل العسكري الغربي.

ليس مقاتلو داعش من يطردون جيش المالكي من غرب العراق اليوم، لكنهم “أهل السنة في العراق” ينتفضون في وجه التهميش والإذلال بمن فيهم المتطرفون الإسلاميون والبعثيون السابقون والانتهازيون وآلاف الشبان الحالمين بمزيد من الكرامة والحقوق، أما الغرب فإنه يتلقف كل ما نرمي به بعضنا من تهم التخلف والطائفية والإرهاب ويستخدمها اليوم لتبرير عدم تدخله كما استخدمها يوما لتبرير تدخله، ولكن فلنحفظ الدرس جيدا، لم يتهمنا الغرب ولا نخبه يوما بتهمة واحدةٍ لم نقم نحن بإلصاقها بأنفسنا أولا.


كاتب سوري

9