العراق.. احتياط إيراني على ذمة الاتفاق النووي

السبت 2017/10/07

من بين الدول المعنية بنتائج الاستفتاء في إقليم كردستان على الانفصال أو الاستقلال تبدو إيران رغم تصريحاتها ومواقفها أكثر هدوءا في ردات فعلها من تركيا والعراق. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زار طهران على رأس وفد رفيع المستوى والتقى الرئيس الإيراني حسن روحاني، ثم المرشد علي خامنئي الذي وصف الأكراد في الإقليم بالخونة الذين يعرّضون استقرار المنطقة إلى الخطر دون أن يخصص القيادة الكردية بمفردة الخيانة، إنما أطلق تعميمه في رسالة لا تخلو من التحذير والتهديد إلى كل كردي ومنهم الأكراد في إيران.

تم تداول قضايا الاقتصاد وحجم التبادل التجاري والتطمينات المسبقة بتعويض الخسائر التركية من احتمال غلق المعابر أو قطع صادرات النفط من كردستان إلى ميناء جيهان، بزيادة حركة البضائع وتعدد مراكز تدفق المصالح بين إيران وتركيا. دول أخرى بعيدة وقريبة أبدت قلقها من نتائج الاستفتاء على صادرات النفط العالمية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان في مقدمتها.

تركيا وإيران تتقاسمان المخاوف من الاستفتاء لأنه فتيل يذكي شعلة الثورة والحرية في الأمة الكردية داخل حدودهما الجغرافية. الحديث عن مخاطر المتغيرات داخل الإقليم مفتعلة بل العكس صحيح تماما، لأن الدولة الكردية ستكون أكثر رغبة وحرصا على التعاون وبكافة المجالات السياسية والتنموية وذلك يعود بالفائدة الكبيرة على الواقع التركي والإيراني.

كما أن الانفصال سيضعف الدولة العراقية ويلغي تماماً أي قلق محتمل في الذاكرة الإيرانية من الماضي القريب للعراق العربي القوي بتجربة حرب الثماني سنوات في ثمانينات القرن الماضي. تركيا يساورها القلق على التركمان في العراق وبما يتعلق بمدينة كركوك ولا تخفي ذلك بتصريحات مسؤوليها النارية على توقعات الصراع للسيطرة على المدينة.

الاستفتاء فتح الباب لتفاهمات أكثر علنية بين تركيا وإيران بعد مستجدات الداخل التركي والواقع الروسي على الأرض السورية، وموقف الولايات المتحدة الأميركية الداعم لقوات سوريا الديمقراطية الكردية بما أدى إلى تراجع الود القديم مع أميركا أو مع الاتحاد الأوروبي.

مباحثات أستانة لم تنحصر في مردوداتها على الحصاد الروسي في سوريا بل تعدتها إلى تقريب المسافة بين تركيا وإيران والعبور فوق توجهات حلف الناتو، متجاوزة تواجد أكبر قاعدة عسكرية على الأراضي التركية.

لماذا كانت إيران على غير عادتها وبما لا يتناسب مع نهجها التصعيدي للأزمات حتى أن تركيا تفوقت عليها بردات فعلها ضد الاستفتاء. زيارة أردوغان إلى إيران كأنها حث وتشجيع تركي لمواقف إيرانية أكثر تشدداً وفعالية. أهم ما كسبه أردوغان سياسيا من زيارته هو ما جاء على لسان المرشد خامنئي بتخوين الأكراد. خامنئي أوصل إلى أردوغان ما يحب أن يستمع إليه ليطمئنه في قضية حساسة جداً لتركيا، وهي عدم قيام دولة كردية مجاورة في العراق أو في سوريا.

إيران بمناوراتها العسكرية على الحدود مع إقليم كردستان وجهت رسائل لتركيا وللداخل الإيراني، لأن وجودها الحقيقي يعتمد على ما تنفذه أدواتها من ميليشيات الحشد الشعبي التابع للحرس الثوري الإيراني وأوامر قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي كان نشطا ودؤوبا في التواصل مع إقليم كردستان لثني الإقليم عن الاستفتاء، أو ربما لتحفيز الأكراد على الاستفتاء بتهديدهم وإيصالهم إلى نقطة اللاعودة عن قرارهم وتلك رغبة إيرانية ننتظر أن تفصح عنها الأيام.

25 سبتمبر لن يبتعد سوى 20 يوماً عن موعد مراجعة ملف الاتفاق النووي مع إيران في الكونغرس الأميركي وهي مراجعة دورية كل 3 أشهر، لكنها تختلف تماما هذه المرة بعد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة وانتقاده الشديد للاتفاق والسلوك الشائن لإيران وتمددها في أكثر من دولة ودعمها للإرهاب في العالم واصفاً نظامها بالدكتاتوري الفاسد.

الرئيس ترامب رغم أنه اتخذ قراره بما يخص الاتفاق النووي إلا أنه لم يصرح به ونعتقد أنه ترك الأمر لمنتصف شهر أكتوبر الجاري، ولجلسة الكونغرس ليحظى بالدعم في حالة تأكيد الرئيس عدم التزام إيران ببنود الاتفاق. هذا التأخير في الإعلان عن قراره فيه نسبة كبيرة من الإيضاحات عن موقف الرئيس في نيته إعادة العقوبات كلياً أو جزئيا، والتي رفعت بعد توقيع الاتفاق، أو ربما يتجه إلى إلغاء الاتفاق تماماً، وهو الاتفاق الأسوأ على حد قول ترامب.

قد يفسر لنا انتظار جلسة الكونغرس لماذا تأخرت إيران في إعلان مواقفها الصارمة من استفتاء كردستان، ولماذا مهدت الطريق أمام ميليشياتها في العراق للبوح بمكنوناتها واستعدادها للمواجهة العسكرية مع الإقليم. خلال الأيام القادمة سنتابع إيران بوجه آخر وردات فعل مختلفة ربما غير محسوبة بما فيها موقفها من استفتاء إقليم كردستان.

لقاء حيدر العبادي رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة بزعيم ميليشيا بعد يوم واحد من الاستفتاء كان بمثابة إنذار خطير بعواقب وخيمة لا يمكن أن يقدم عليها رئيس وزراء لدولة في حالة حرب مع الإرهاب ولديه وزير دفاع ورئيس أركان وقادة نظاميون في الجيش بإمكانه استشارتهم أو لقاؤهم لغايات ومهمات وواجبات الدولة.

لكن أن يلتقي زعيم ميليشيا في ظرف حرج يؤكد لنا لماذا إيران ليست على صفيح ساخن. إيران تعبّر من خلال العراق عن سياستها ضد نتائج الاستفتاء وعيناها على الملف النووي ونتائج مراجعته في الكونغرس.

نحن في حرب مؤجلة مع الإقليم تعتمد خيانة إيرانية جديدة تضحي بدم العراقيين وباستقرار المنطقة، وفداحتها تتوقف على الموقف الأميركي الذي سيفصّل لنا الإستراتيجية الأميركية تجاه الإرهاب الإيراني.

الإصرار على الاستفتاء من قبل إقليم كردستان وطبخه على نار من الأعصاب الهادئة وبحضور شخصيات بعينها في الإقليم يوضح لنا البعد الدولي الراصد لتطورات الأحداث القادمة في المنطقة.

نهاية إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، وجرأة الإقليم في إجراء الاستفتاء أو مداخلات الأرض في كركوك ومقتربات معركة الحويجة وجبال حمرين تبين لنا مقدمات الفوضى الخلاقة على المقاسات الدولية بعد نهاية مرحلة صادمة في المنطقة استهلكت تماماً أسبابها، وصار لزاماً عليها تنظيم وترتيب مستجداتها.

مساعٍ إيرانية تستهدف الإبقاء على الاتفاق النووي مع الدول الأوروبية الموقعة عليه وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى الموقفين الروسي والصيني المعلومَيْن من الجانب الإيراني.

مع ذلك فإن أوروبا رغم ميلها إلى استثمار الاتفاق في المنافع الاقتصادية مع إيران، إلا أنها لا تتجاهل كلياً تجاوزات إيران على نص وروح الاتفاق في دعمها للإرهاب أو تجارب إطلاق صواريخها الباليستية، ولذلك فإن الدول الأوروبية الثلاث مع تطبيق الاتفاق والتوجيه بإضافة بعض البنود التي تحجم الطموحات الإيرانية.

ما صدر عن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس قبل إشهار قرار الرئيس ترامب بشأن الاتفاق النووي؛ بالمحافظة على الاتفاق في حالة عدم تعارضه مع مصالح الولايات المتحدة، يأتي في سياق تصاعد التهديدات النووية الخطيرة مع كوريا الشمالية وما ينتج عنها من استباق لحل أزمة التسلح النووي الإيراني المحتمل في سنوات قليلة مع أن الاتفاق في جوهره لا يلغي رغبة إيران في امتلاك السلاح النووي، إنما يؤجلها لثماني سنوات فقط من تاريخ عامنا هذا. ماتيس يدعم مراجعة اتفاق يبعث بتطمينات تضامن مع حلفاء أميركا في الناتو ويترك أيضاً للرئيس قراره في حماية الشعب الأميركي.

العراق وإقليم كردستان وسط غابة من بنادق الصيد الجائر، وأي استفزاز أو حركة مباغتة مقصودة أو غير مقصودة ستوقد ألف سبب وسببا لحرب أخرى وإرهاب آخر.

كاتب عراقي

8