العراق: الاستفتاء قوض التحالف الكردي الشيعي

الخميس 2017/09/21

يتداول العراقيون هذه الأيام محضر اجتماع عقد في أغسطس 2010 بأربيل، جمع بين الأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وأحد قادة القائمة العراقية وقتئذ إياد علاوي، يظهر فيه تنازلات واضحة من جهة المالكي للجانب الكردي في المناطق المتنازع عليها مقابل أن يدعم الأكراد تولي أبي إسراء رئاسة الحكومة لولاية ثانية مع موافقته على تسليم علاوي رئاسة مجلس السياسات الإستراتيجية الذي لم ير النور.

ومع أن محضر الاجتماع التآمري الذي تجنب علاوي توضيح مضامينه لزملائه في القائمة العراقية على طريقة “والله ما أدري” يعكس اتفاقا بين المالكي والبارزاني على تطبيق المادة 140 من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها وهي مناطق ومدن وبلدات عربية في أغلبها، وتركمانية ومسيحية ويزيدية في بعضها تتبع محافظات الموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى.

إلا أن المالكي بعد أن جلس على كرسي رئاسة الحكومة، أدار ظهره لمسعود وبدأ يتعامل مع رئيس حزب الاتحاد الوطني جلال الطالباني الذي عاد إلى رئاسة الجمهورية في دورة جديدة، وشكل الاثنان ثنائيا متفاهما على تقاسم السلطة في العراق بين الشيعة والأكراد، وتوزيع الامتيازات والمكاسب بينهما حتى وصل الأمر بالمالكي إلى تحريض جلال عام 2012 على ضم الموصل بكاملها إلى إقليم كردستان، ليتخلص من الصداع الذي تسببه له، كما كشف ذلك فخري كريم في مقال نشره في صحيفته المدى وكان حاضرا اجتماع رئيسيْ الجمهورية والحكومة، باعتباره المستشار السياسي للطالباني حينذاك.

وعندما يعترض رئيس حزب الدعوة على استفتاء الانفصال ويتخوف من تداعياته كما نقل عنه، فإنه يسعى إلى مسايرة الهبة الشعبية العربية الرافضة للاستفتاء في المناطق المتنازع عليها المحتلة من قبل حزبيْ البارزاني والطالباني، وأيضا حتى ينسجم مع الموقف الإيراني الذي يتحسس من كيان كردي مستقل مجاور، في وقت تضم إيران أكرادا أكثر من ضعف أكراد العراق يعانون مشاكل التمييز العنصري والطائفي والتهميش وسلب حقوقهم السياسية والثقافية والإنسانية.

فلولا المالكي وقادة الكتل والأحزاب والميليشيات الشيعية، الذين كان همهم أولا وأخيرا، اضطهاد السنة العرب وإقصاءهم من المشهد السياسي عقب الاحتلال الأميركي، ما كان بمقدور القيادات الكردية الاستيلاء على كركوك والتسلط على سكانها والاستحواذ على نفطها وبيعه إلى إيران بنصف سعره العالمي عبر أكثر من ألف ناقلة نفط برية يوميا.

ولولا المالكي الذي جثم على صدور عرب العراق لثماني سنوات متصلة، مارس خلالها صنوف التمييز الطائفي والقهر السياسي ضد الملايين من السنة العرب إلى حد وصفهم بأنهم “معسكر يزيد” وقتالهم واجب شرعي، ما كانت قوات البيشمركة الكردية تغزو كركوك المدينة وتوابعها، وتحتل جلولاء وقرتبة ومندلي وخانقين في محافظة ديالى، وتمتد إلى شرقي الموصل وتستولي على سنجار وتشارك الحشد الشيعي في بسط نفوذها حتى الأراضي السورية، وتتواجد في الكثير من أقضية ونواحي محافظة صلاح الدين. هذه حقائق على الأرض تدمغ المالكي الذي كان يدافع عن الزحف الكردي على مناطق ومحافظات السنة العرب، ويطمئن رفاقه وأتباعه “ما علينا.. المهم إنهم- ويقصد الأكراد- بعيدون عن النجف وكربلاء والكوت والعمارة”.

لقد سكت المالكي على استيراد نصف مليون كردي من تركيا وإيران وسوريا وإسكانهم في كركوك في بيوت وأحياء المواطنين العرب الذين هجر منهم منذ عام 2003 بحدود 400 ألف إنسان، حسب إحصاءات منظمات المجتمع المدني ولجان حقوق الإنسان، بحجة أن النظام السابق قد منحهم حق الإقامة والعمل في المحافظة، مع أن الدستور المعمول به حاليا ينص على حق العراقي في التنقل والعيش في أي مدينة عراقية يختارها، ولذلك نلاحظ أن محافظ كركوك الكردي نجم كريم واثق تماما بأن استفتاء الانفصال سينجح في المدينة بعد التغيير الديموغرافي الذي حصل فيها طيلة السنوات القليلة الماضية.

إن الأكراد وهذه حقيقة تاريخية وبيئية واجتماعية لم يستوطنوا كركوك إلا في الأربعينات من القرن الماضي، عندما نزل المئات منهم من جبال السليمانية وأربيل، واشتغلوا عمالا وحراسا ومستخدمين في حقول النفط وهذا من حقهم كمواطنين عراقيين، بل إن حي الشورجة لم يتبلور كرديا إلا في الخمسينات، صحيح أن عوائل كردية كانت تقيم في قرى شرقي المدينة كقرية طالبان مثالا، أما في داخلها فالعدد تضاعف في نهاية الخمسينات بشكل كبير، مما أدى إلى حدوث اشتباكات مسلحة ومجازر دموية راح ضحيتها المئات من التركمان والعرب أبرزها مذبحة كركوك في يوليو 1959 التي قام بها البارتيون والشيوعيون الأكراد، وقبلها مجزرة الموصل في مارس من العام نفسه في أعقاب فشل حركة العقيد المرحوم عبدالوهاب الشواف.

إن الشعب الكردي في شمال العراق بأغلبيته الساحقة يرفض النزعات الانفصالية وقد ضحى الكثير من رموزه وشخصياته وشيوخ العشائر من أجل وحدة العراق، بل إن نظام صدام حسين الذي يوصف اليوم بالطائفي والدكتاتوري منح حقين للكردي في الامتيازات والتسهيلات والعمل والتجارة. الحق الأول كمواطن عراقي والحق الثاني كمواطن كردي، ولم يعترض عربي على ذلك، بل إن حكومة صدام عاقبت الشيخ يونس السامرائي وهو رجل دين وباحث في التاريخ وعالم في الأنساب عام 1988 لأنه رحمه الله ألف كتابا أعاد فيه العشرات من العشائر الكردية إلى أصولها العربية مستندا إلى المصادر والمراجع والتواريخ المعتمدة علميا وتاريخيا.

ومرة أخرى لا نعترض على استفتاء الأكراد بالانفصال عن العراق، ولا نرفض قيام دولتهم المستقلة، ولكن بشرط أن تكون في مناطقهم التقليدية المعروفة بحدودها الجغرافية والإدارية قبل اليوم المشؤوم التاسع من أبريل 2003.

كاتب عراقي

8